ماذا يطبخون؟

مجاهد مأمون ديرانية

رسائل الثورة السورية المباركة (110)

مجاهد مأمون ديرانية

-1-

إذا دعاك الكريم إلى وليمة فإنه يقدم لك من ألوان الطعام ما يشاء، لا ما تشاء، فلا تملك إلا أن تأكل وتشكر. أما إذا ذهبت إلى المطعم ودفعت ثمن طعامك فإنك لا تأكل إلا ما تختاره برضاك، ولو أن صاحب المطعم أو نادله لم يأتك بطبق على هواك، بل على هواه، فإنك ترده وتأباه. فكيف لو أن المطعم كان من تلك الطبقة التي لا يغشاها إلا الأثرياء، حيث تكلف الوجبة الواحدة ما يجمعه أمثالنا من عامة الناس في أسبوع من العمل الشاق؟

يا أيها المتآمرون على الشعب السوري الأبيّ الكريم العظيم: لقد دفع هذا الشعب المجاهد المصابر ما تعجز عن دفعه الأمم الكبيرة في العشرات من السنين، فلا تطبخوا له في الخفاء. وما أدراكم إن فعلتم أنه سيأكل ما تطبخون؟

-2-

لم يخفَ علينا ما يصنعون؛ منذ عام وهم يبحثون عن البديل. ما ضرّهم أن يصبح الناس ويُمْسوا على حرّ النار ولا لانت قلوبهم لنساء يُغتصَبنَ وأطفال يذبّحون وشهداء بالمئات في كل يوم يتساقطون؛ لقد طوّلوا المحنة راغبين حتى يصل الناس إلى درجة من اليأس فيقبلوا راغمين بما يريدون، وماذا يريدون؟ إسقاط النظام؟ كيف؟ ومتى رغب مَثّالٌ أن يُهدم التمثال الذي نحته بيديه؟ هذه أمانيّكم أنتم يا سوريين، أما الغرب -وأميركا زعيمة الغرب- فلهم رأي آخر: يريدون أن يصونوا الصنم الذي نحتوه، يريدون للنظام أن يبقى، أما الأبله الذي وضعوه رأساً له فإنهم لا يبالونه ولا يكترثون ساعة: أبقي أو زال؟ المهم أن يبقى التمثال.

هل عثروا أخيراً على الرأس البديل؟ ما قصة الانشقاق الغامضة تلك التي لم يعلم علمَها إلى هذه الساعة أحد؟ ولماذا العمرة؟ وإفطار على مائدة وزير الخارجية التركي؟ هل صلى ذلك الرجل لله ركعة من قبل حتى يعتمر ويصوم؟ ثم إن الفطر للمسافر رخصة!

وما هذه الحماسة الهائلة يا إعلام العرب؟ تعبت وأنا أحصي المقالات التي تلمّع الرجل وتبيّض تاريخه، أما البرامج والمقابلات فأمر آخر؛ ولقد وَهِمتُ مرة حتى خُيِّل إليّ أن صلاح الدين عاد من الرقاد، إلا أني أدركت سِراعاً أن الموتى لا يعودون. ارحموا عقولنا يا رُعاة إعلام العرب، يا دعاةً على أبواب الضلال.

-3-

حسناً، سأعترف: لا يهمني ما سيرة الرجل ولا على أي شيء تنطوي سريرته، أهو وطني مخلص صادق أم مدّع كذّاب؟ وسوف أنسى أباه وما صنع بشهداء تدمر أبوه، وأخاه وما بلع من مال الأمة أخوه. لن أسأل عن ذلك كله، ولكني سأفترض أن الرجل ابن أبيه. وما أبوه؟ أنسيتم أم أنكم لا تعلمون؟ لو نظرنا إلى النجوم التي حملها على كتفيه والنياشين التي علقها على صدره لرثينا له من ثقل الأحمال ولظننا أنه كان يأمر وينهى ويقود جيش البلاد، ولكنْ لقد علم القريب والبعيد أنه لم يكن غير شيئين: حذاء في رجل طاغية البلاد يرفس به من شاء متى شاء، وممسحة في يده يمسح بها القذى والأقذار.

إذن فخبرونا عن هذا الرجل الجديد: لقد هيأتموه ليكون حذاء وممسحة، ولكن في يد مَن وفي رِجْل مَن مِن أعداء الشعب السوري العظيم؟ نعم، لقد فهمنا أنكم تبحثون عن رأس جديد للتمثال بعدما بلي الرأس القديم وزال أو كاد يزول، ولكن ماذا عن التمثال؟ هذا هو جوهر السؤال.

لم يخفَ علينا ما يصنعون. يريدون الإبقاء على جوهر النظام وجذعه وتغيير الرأس والأطراف. الأميركيون لهم رجال يريدون بقاءهم ليضمنوا من خلالهم مصالحهم، وللفرنسيين رجال، وللروس رجال، ولإسرائيل أيضاً رجال... كلهم يريدون في سوريا الغد رجالاً يكونون ضماناً لمصالحهم فيما يأتي من الأيام كما كان لهم رجال ضمنوا لهم مصالحهم فيما مضى من الأيام.

-4-

فليطبخوا ما شاؤوا أن يطبخوا، ولكن كيف سينفذون المؤامرة؟

الثورة ثلاثة أثلاث، وهي أثلاث غير متساويات لحسن الحظ. أعداء الأمة يملكون نفوذاً كبيراً على ثلث، ويستطيعون أن يملكوا نفوذاً متوسطاً على ثلث، وثلثٌ لا طاقةَ لهم به ولا سبيلَ لهم إليه. من فضل الله على الثورة أن الثلث الأول هو الأقل شأناً والأضعف أثراً في الثورة، وأن الثاني يعوّض بعضُه نقصَ بعض، والثالث هو العمود الذي تستند الثورة عليه وتعود قوتها إليه.

القسم الأول هو المعارضة السياسية التي تعيش خارج سوريا وتلتقي بمسؤولي الدول الغربية كل يوم. هؤلاء هم الحلقة الأضعف لأن نفوذ الدول عليهم هو الأقوى ولأنهم لا يملكون في أيديهم أياً من أوراق القوة، فليست لهم أرض يقيمون عليها معارضتهم، والمجتمع الدولي لا يعترف بهم، ولا أموالَ تصل إلى أيديهم إلا مما "تجود" به عليهم الحكومات والهيئات الدولية من هبات. إذا اقتنعنا بأن قوة المعارضة السياسية الخارجية محدودة فإننا سوف نعذرهم إذا قبلوا بخطط يخططها غيرهم لهم وإذا وافقوا على حَنْي رؤوسهم وتقديم بعض التنازلات، ولكنّا لا نعذرهم أبداً في واحدة غيرها: أن يُخفوا عنّا ما يعلمون.

لقد مضى وقت استغباء الشعوب وولّى الزمن الذي كان السياسيون يعتبرون فيه أنفسَهم رعاةً وعامة الناس هم القطيع. لا قطيع بعد اليوم ولكنْ أحرارٌ يعقلون ويعرفون كيف يختارون ما فيه صلاح أمرهم وما فيه الخير لبلدهم. إننا نعيش في الزمن الشفّاف، حيث لا مكان لإخفاء حقيقة وحيث لا يقبل العقلاء أن يعيشوا في العتمة فيما يطبخ لهم الطبّاخون وراء الستار ما يطبخون. فيا أيها المعارضون ويا أيها السياسيون: أخبرونا بما تعرفون. لا بد أن كثيرين منكم يعلمون بما يدور وراء الكواليس، فلا تتعالموا على الناس ولا تقيموا أنفسكم أوصياء عليهم وتختاروا ما تُخفون وما تكشفون. إلاّ تخبرونا بما تعرفون تكونوا شركاء في المؤامرة، ولن يسامح الشعب السوري العظيم أحداً من المتآمرين ولا من المتواطئين.

-5-

الثلث الثاني أحسن حالاً وأعظم أثراً في الثورة، وهم الكتائب المقاتلة. هؤلاء سوف ينحاز بعضهم إلى المؤامرة، لا حباً بها وبأصحابها ولا اقتناعاً بجدواها، ولكن لأنهم لا يجدون ما يشترون به السلاح، وإذا وُجد السلاح فُقِد ما يجعله مفيداً من ذخائر وطلقات وحشوات، وكل ذلك يشترى بالمال، والمال في أياديهم قليل أو معدوم.لقد خذلتموهم وتركتموهم يعانون من شح التمويل ونقص السلاح ونفاد الذخيرة فألجأتموهم إلى مد اليد إلى العدو الغريب؛ ما عليهم من لوم، أنتم -يا أيها المسلمون- المَلومون.

ولكن الكتائب كثيرة؛ هل تعلمون كم تبلغ؟ منذ شهر أو شهرين اطّلعت على قائمة فيها أسماء أربعمئة وثمانية وتسعين من الألوية والكتائب، ولا بد أنها زادت منذ ذلك الحين. معنى هذا أنّ نصفَ ألف كتيبة على الأقل تتحرك على الأرض وتقاتل في الميدان، كل منها فيها من المجاهدين مئات. هل سيصل أعداء الأمة إليها كلها ويُركبونها في مركبهم جميعاً؟ لن يفعلوا؛ سيبقى عشرات آلاف من المجاهدين خارج السيطرة والنفوذ، هؤلاء قوة للثورة ومصدر من مصادر استقلالها، وكلما زادوا زادت قدرتها على الاستقلال وعلى الاستعصاء على الإملاء. وكيف يزيدون؟ بفضلكم ودعمكم يا أيها الأحرار من عرب ومسلمين، يا من تقرؤون هذه الكلمات.كلما دعمتم المجاهدين الصادقين بالمال كلما كانوا ردءاً للثورة وسداً يقيها المؤامرات. وتسألون -بعدُ- عن المشاركة في الجهاد؟ هذا باب الجهاد مفتوح على مصراعيه لمن أراد.

-6-

وصلنا الآن إلى الثلث الثالث، وهو أصل الأثلاث الثلاثة وأُسّها وأساسها، وهو أعظمها وأكبرها وأبركها وأقواها. إنه جمهور الثورة الشعبية السلمية الذي يتكون من ملايين الأحرار ويغطي أرض سوريا كلها من شمالها إلى الجنوب ومن البحر إلى الصحراء. أولئك الذين دافعتُ عن ثورتهم وسلميّتهم منذ دهر، ولا أزال، والذين اعتبرتهم على الدوام الضمانَ الأكيدَ الوحيد لهذه الثورة وصِمامَ أمانها اليومَ وفي الآتي من الأيام.

الثورة الشعبية هي التي حركت العالم ودفعته إلى البحث عن مخرج من أزمة أرهقه طولُها ودوامها، وهي التي صنعت الجيش الحر الذي يقود البلاد اليوم إلى الاستقلال في حرب التحرير بإذن الله، وهي التي تحتضن هذا الجيش وتمده بأسباب البقاء؛ لولاها لما عاش الجيش شهراً ولأفنَتْه الآلة العسكرية الجبارة لنظام القتل والإجرام. هذه الثورة هي أيضاً الضامن الأكبر للمستقبل السوري المشرق، لأن بقاءها حيّة قوية سيحبط المؤامرات ويحمي سوريا من عبث العابثين.

ربما نجح أعداء الأمة في شراء بعض المعارضين السياسيين فسلّموا أنفسهم راغبين، وربما نجحوا في استغلال حاجة بعض المقاتلين فاستسلموا راغمين، ولكن أنّى لهم بالوصول إلى الثوار الملايين الذين يملؤون الأرض؟ أولئك هم الجزء العصيّ على البيع والشراء والاحتواء والخداع؛ ليست لهم قيادة جامعة لتُخدَع، ولا رأس لهم (لحسن الحظ) ليُشترى ويباع.

الثورة بخير، وسوريا بخير، ومستقبل سوريا بخير -بإذن الله- ما استمرت هذه الثورة الشعبية العظيمة. استمروا يا ثوار، لا يخيفنّكم شرقٌ بالرعود ولا يخدعنّكم غربٌ بالوعود، ولا تسمعوا لمن يقلل من جهدكم وجهادكم، فإنكم كنتم الأولين في هذه الثورة المباركة وستبقون الآخِرين، وعلى جُدُر صبركم ستتكسر أمواج المؤامرات ويرتدّ على الكائدين كيدهم إن شاء الله.

-الخلاصة-

نحن نعلم أن أميركا والمعسكر الغربي يضغط على الثورة ضغطاً شديداً لكي يخرج بأعظم المكتسبات. ولكي نكون واقعيين ونبتعد عن خيالات الشعراء وأحلام الحالمين فإننا نُقرّ ونعترف بأن علينا تقديم بعض التنازلات، فإننا نعيش في عالم معقد متشابك المصالح والاهتمامات، ولا بد لنا من التفاهم والتعايش مع هذا العالم المعقد. ولكن توجد هنا مشكلة من المشكلات الكبرى التي يعجز عن حلها ذوو العقول والأفهام.

نحن مستعدون للتنازل عن القشور، فنقول لهم: سنرضى بأي "طَرْطور" تختارونه لقيادة البلاد في المرحلة الانتقالية بشرط أن يُحَلّ الجسم القيادي القديم كله، وبتحديد أكثر: الأجهزة الأمنية المخابراتية بكل قياداتها وعناصرها كبيرها وصغيرها من الرأس إلى القواعد، وكبار ضباط الجيش (الضباط الأمراء، من رتبة عميد فأعلى، بما فيهم قادة الكتائب والألوية التي شاركت في القمع والإجرام ولو كانوا من رتب أدنى)، وحزب البعث بكل طبقاته، ومجلس المهرّجين (الذي يدعونه زوراً بمجلس الشعب). ولن نرضى فقط بحل جسم النظام القديم بمكوّناته المذكورة، بل إننا نُصرّ على المحاسبة والمعاقبة، بعيداً عن ترّهات وسخافات "المصالحة الوطنية" المزعومة التي أوجعوا بها رؤوسنا منذ حين.

نعم، نحن مستعدون للتنازل عن القشور مقابل تغيير الجوهر، ولكن أعداء الأمة (أميركا والمعسكر الغربي) يريدون أن يحافظوا على الجوهر وأن يخدعونا بتغيير شكلي لا يتجاوز الرأس والقشرة والأطراف. هنا المشكلة، فماذا نصنع؟

الحل الوحيد: الاستمرار في الثورة، التشبث بخطوط الثورة الحمراء: إسقاط النظام، كل النظام، محاسبة ومحاكمة المجرمين، كل المجرمين. أما تنصيب فلان أو فلان رأساً من رؤوس المرحلة الانتقالية فلا يطالبْنا أحدٌ برأي فيه. هذا لا يزيد على أن تخبرونا بعنصر واحد من عناصر الطبخة، بل بمُنَكّهٍ من منكّهاتها. أطلعونا على الطبخة كلها ثم اطلبوا منا الرأي والقرار.

*   *   *

كفاكم ألاعيب، كفاكم استخفافاً بعقولنا يا أيها الطباخون. أتظنون أن شعباً ثار على أسوأ نظام يعرفه كوكب الأرض في القرن الحادي والعشرين، وثبت أمام جبروته ثبات الجبال الراسيات، وصبر تحت ضرباته أعجب الصبر وقدم التضحيات بلا حساب، ومنذ انطلق في ثورته وحطم القيود لم يلتفت قَطّ إلى الوراء...أتظنون أن شعباً هذه صفته يمكن أن يبتلع الطعم وأن يستمرئ طبختكم التي تطبخون؟!