عذارى في وجه العاصفة رواية نسويّة بامتياز

clip_image002_80d71.jpg

صدرت قبل أيّام قليلة عن مكتبة كلّ شيء في حيفا رواية "عذارى في وجه العاصفة" للأديب المقدسيّ جميل السلحوت. تقع الرّواية التي يحمل غلافها لوحة للفنّان التّشكيليّ الرّوائي محمود شاهين، في 234 صفحة من القطع المتوسّط.

الرّواية تسرد جوانب من حياة المرأة الفلسطينية زمن نكبة العام 1948 وما تلاها من سنين، في بناء روائيّ متكامل يسرد الكاتب الأحداث بمنطق وتسلسل لافت، ينتقل من حدث لآخر وكأنه أحد عناصر تلك الحقبة من تاريخ شعبنا، يحمل القيم العربيّة الأصيلة،  فتارة تعجب بكمال السّوري الذي يعتبر رحاب وخالد ووفليحة أبناء له، ويقف لجانب فلسطينيّي الشّتات، وتارة آخرى  يعرض أضرار زواج الأقارب، ويحارب الطّائفيّة فلا فرق بين مسلم ومسيحيّ،ولا  شيعيّ وسنّيّ.

حين يكتب الرّجل عن المرأة غالبا يصف واقعها، يكتب بعيدا عن عالمها، لا يتعمق بمشاعرها وأحاسيسها، ولا يتماهى بأسلوب حياتها، الأديب السلحوت ينصف المرأة ويدخل صميم واقعها، يحلل مشاعرها ونفسيّتها، نساء الرّواية عذارى بامتياز.

رواية " عذارى في وجه العاصفة"، تتحدث عن معاناة المرأة الفلسطينيّة، والمظالم التي لحقت بها بسبب النّكبة، وتطرح الظروف التي تحيط بها، وتقودها لمواجهة عواصف شتى.

عاصفة الشّتات

تصوّر الرّواية رحاب المرأة الحامل، تتجه برفقة زوجها خالد  بسبب ويلات الحرب من حطين قرب طبريّا إلى سوريا، لتستقرّ في ( جرمانا) في بيت السّيّد كمال أبو فاطمة، رحاب تنظر خلفها حيث( عليّ) ابنها من زوجها الأوّل، الذي خطفه بلطجيّة حماتها من حضنها، ذنبها أنّها ابنة صيّاد سمك تزوجها طارق - الزّوج الأوّل- صبرت رحاب على سوء معاملة والدته سعاد، ومع ذلك طلّقها زوجها تحت الحاح أمّه عليه، جوانب عديدة تناولتها الرّواية، بسردها حكاية رحاب، زواج البنت بدون أخذ رأيها،"قمع المرأة والبكاء بصمت " صفحة31"، سمعة العائلة التي تصف الإناث بطباع ليست من صفاتهنّ، يترك محمد أبو الوفا خطيبته أمنة أخت أبو  طارق بسبب سمعة أمّ طارق، فتربّي لمياء وطارق  أفضل تربية، ويدلّ ذلك أن الأحكام على النّساء بسبب  أخطاء ذويهنّ ظالمة، لكن طيش أمّ طارق وعنجهيّتها، جعلها عرضة  لعصابات الهجانا ذهب التي سلبت مصاغها ونقودها صفحة 35.

أمّا عليّ الطفل بن طارق ورحاب فينتقل من بيت والده الى بيت عمته لمياء بعد النّكبة واللجوء بسبب ظلم زوجة أبيه له، حيث يسخّر جدّه حياته لتربيته، وحين وفاة الجدّ يذهب عليّ؛ ليبحث عن والدته، ليجد بعدها من يستغله ومن يساعده، في النّهاية يلتمّ شمله على والدته رحاب؛ لتنتهي الرّواية بأثر طيّب وبعبارة( ما أصعب الفراق!) عبارة مواساة يلقى بمضمونها القاريء كلّ تلك الأحزان التي تسللت عنوة إليه، فالتشرد من ناحية والفراق من ناحية آخرى، وأحزان محصورة بآلالام عذارى تقف بوجه عواصف لا ترحم.

تعطي الرّواية مثالا إيجابيّا للمرأة التي تسند زوجها وأولادها، وتعمل من أجل إعالتهم، ولا يذهب صبرها سدى حيث يهب كمال أبو فاطمة  فليحة محمود العيسي زوجة حمدان سميح العلي، الذي فقد عقله ممّا جرى له ولشعبه ولم يتحمّل الضّغوطات، فانتحر " صفحة 118" هنا صورة آخرى تضفي الواقعيّة على الرّواية.

وبين فراق وتشتّت ولقاء تبقي الرّواية القاريء معلقا بين سطورها، تشوّقه فينهي مطالعتها وصور شخصيّاتها وأحداثها وزمانها مرسومة في فكره وخياله.

عاصفة الحبّ

للحبّ معنى واحد يتغيّر حسب الحالة، فإذا وقع بقلب المرأة كان روحها، يانعا بقلبها دائم التّجدد، وأمدّها بالحياة، يبقى شفافا بناظريها فترى الدّنيا من خلاله، ترى رجلا واحدا يتجسّد به حبّها فلا تتغيّر صورته، يسكن حبّه قلبها للأبد، لا بديل له، أمّا حين يقع الحبّ بقلب الرّجل، فهو حالة تتطابق وتختلف حسب الأجساد التي تمثّله،  وكأنّ المرأة تحبّ روح الحب، والرّجل يحبّ الجسد، الرّوح تبقى والجسد يفنى.

هي صرخة مكتومه بقلب المرأة يطلقها الكاتب، على لسان ميسون إبنة التسعة عشر عاما التي ما زالت تنتظر خطيبها ناصر أمين، فرّق بينهما شتات النّكبة، انفصلا جسدا ولم تنفصل روحاهما، فارق أسبوع عن النّكبة كان موعد زفافهما، تنتظر ميسونُ ناصرَ عشر سنين بعد النّكبة وسنة قبلها، ولكنّه لا ينتظرها، يتزوّج وينجب ثلاث بنات وولد، تردّ عليه حين تعلم بأخباره: طعنتني في القلب إلا أنّني سأبقى وفيّة لك، أمّا هو فيطلّقها حين تصله رسالتها، ببعض حروف يقتل الحبّ، وحسب فهمه يعتقد أنّه ينصفها حين سمّى أكبر بناته باسمها، لا يلتفت لعمرها الذي أضاعته بالإنتظار. صفحة 223.

حوار يأخذه الكاتب من صميم واقع المرأة بكلّ مكان، لمياء: الرّجال يا ميسون لا أمان لهم، ولا يستطيع الواحد منهم أن يعيش بدون زوجة.

ميسون: أحبّ ناصر حبّا جنونيا، وقلبي لن يدق لغيره.صفحة 166.

الصّرخه الآخرى على لسان مريم زوجة زياد المفلح،  الذي يعمل بقسم تخليص البضائع في ميناء حيفا، يتشرّد عن زوجته وأطفاله الثّلاثة في عكّا، ولكنّه يبقى يتسلل لبيته ، تكتمل المعاناة حين تحمل مريم، فلمن تنسب الطفل؟ لخاله شاكر أم لأبيه؟  إنّه الشّتات تقول الجارة: ما هذا الزّمن الذي وصلنا فيه أن يتسلل الرّجل خلسة إلى بيته، وتخاف المرأة من حملها من زوجها؟ لعن الله من كان سببا فيما حصل لشعبنا.

مريم تتحمّل أن تصاب بشرفها، وتقاتل من أجل إثبات نسب الابن لأبيه، بينما زياد يسمع كلام والده: إذا كنت تتسلّل من أجل مريم فالنّساء كثيرات.صفحة 148.

وحين يرسل زياد رسالة لزوجته مريم واصفها بالحبيبة، بعد أن تزوّج أخرى، تردّ غاضبة وساخرة من إلحاح أمّها في السّؤال عن سبب زواج زياد:"تزوّج عندما كنتِ مسافرة!" ومع ذلك تتقبّل مريم الأمر، وتخبرأبناءها بأنّ لهم أخوة من أبيهم وتبقى تنتظر، ولا تتقبلّ الزّوجة الثّانية من زياد مجرّد ذكر اسم مريم في رسالة صوتيّة، وهنا يظهر الكاتب ضمنيّا معنى كلمة عشرة " يدخل بصميم مشاعر المرأة" .

 في الرّواية الكثير من الأمثال الشّعبيّة يوظّفها الكاتب في مكانها الصّحيح، لتصيب صميم  الأحداث، ( الرّجال معادن " صفحة 64"، ما بحن على العود إلا قشره" صفحة 110" ، جبل على جبل ما بلتقي، وانسان ع انسان بلتقي" صفحة 122"، ياما تحت السّواهي دواهي صفحة : 146.

وقد أخترت بعض الأقتباسات من الرّواية التي تظهر لغة الرّواية البلاغيّة:

لا مدن  تعرف البحر أكثر من يافا التي تنام في حضنه، فيغسل قدميها، ويطيب هواءها مع عبق البرتقال والليمون. صفحة 128.

لا يرى دموعها إلا نجم يتلصّص عليها من النّافذة، فيرسل شعاعه الذي ينكسّر على أغصان الياسمينة التي زرعتها بجانب النّافذة. صفحة 215، ذلّ التّشرّد يطرق سندان رؤوسهم بشدّة. صفحة 13، هناك أسر انقسمت قسمين تفصل بينهما حدود الموت. صفحة 61، من بعيد يرى جبال قاسيون، فيتذكّر الجبال التي تحتضن طبريا من جهات ثلاث تاركة الجهة الجنوبية؛ لترافق نهر الأردن عبر الغور إلى البحر الميت، صفحة 70، رائحة التّراب تبعث الدّفء في القلب والنّشوة في الرّوح، وتطيل العمر. صفحة 71،  ترضع رحاب ابنها كمال، وقلبها معلّق بابنها عليّ، الكلمات المكتومة في صدرها عن عليّ تحرق كبدها الملتاع. صفحة 98،عكا لا تخاف هدير البحر. صفحة 79.

يطول الحديث عن الرّواية الزّاخرة بالأحداث والقيم والعادات والتّقاليد، والتي تظهر سمات  المرأة بشكل خاصّ، وأثر كلّ ذلك على حياتها، وكيف  تدفع الظروف المرأة لتواجه أمورا فوق طاقتها.

في المحصّلة: رواية عذارى في وجه العاصفة طرقت بابا لم يطرقه أحد من قبل الأديب السلحوت، وهو المظالم التي لحقت بالعديد من النّساء الفلسطينيّات بسبب النّكبة، وما تسبّبته من تشتيت أبناء الشّعب الفلسطينيّ، وبقيت معاناة هذه النّساء حبيسة صدورهنّ، لأنّ أحدا لم يلتفت إليهنّ، ولم يحاول التّخفيف عنهنّ لأنّ حقوق المرأة مهضومة دائما.

وسوم: العدد 703