الشهيد د. حارث العبيدي

نصير المظلومين

عمر محمد العبسو

لقد كان القائد الشهيد د. حارث العبيدي - رحمه الله - صورة عن الرجل المسلم الذي حمل أعباء الدين عقيدة وسلوكاً ومنهجاً لنصرة الإسلام وأهل العراق من الباطل والفساد ، لقد كانت حياته كلها دعوة للخير والمعروف، حتى انتهى بالشهادة راضياً مرضياً حين آثر صوت الحق على كل المغريات والمخوفات عبر الدرب العسير أيام الحصار وبعد احتلال العراق .. ومن هنا وجدت أن من الواجب علي - وفاءً للشهيد - أن أكتب شيئاً عن سيرته .

 ولادته ونشأته :

ولد الشهيد د. حارث محي الدين العبيدي في بغداد / الحارثية في 8/7/1962م ، ونشأ في أحضان أسرة مسلمة ، ملتزمة ، حيث كان والده قاضياً نزيهاً في محاكم العراق ، وكان الشهيد حارث العبيدي  متزوجاً من اثنتين ، ورزق منهن بستة أبناء (5  بنات وولد واحد ) ، وهم ( ميمونة ، عائشة ، مارية ، فاطمة ، طيبة ، ونور الدين ) .

دراسته :

دخل الشهيد رحمه الله الابتدائية عام 1968 في مدرسة الحارثية ، وعندما عين والده قاضياً في محافظة القادسية انتقل معه وبقى هناك إلى عام 1974م ، ثم انتقل إلى محافظة المثنى في قضاء الرميثة إلى عام 1978م ، ودرس في متوسطة الأمين في منطقة القادسية ، وفي المنطقة ذاتها أكمل الإعدادية ، ليدخل كلية الإدارة والاقتصاد / الجامعة المستنصرية ، واستمر فيها لمدة شهر ، ثم انتقل إلى كلية أصول الفقه / الجامعة المستنصرية في النجف لمدة سنة واحدة بعد أن حصل على درجات عالية أهلته للدخول إلى كلية الشريعة / جامعة بغداد ، وأثناء خدمة العسكرية عام 1988 .

أكمل الماجستير في كلية العلوم الإسلامية / جامعة بغداد عن رسالته الموسومة (أحكام المسافر في الشريعة الإسلامية ) ، وحصل على درجة الامتياز عام 1994م .

ثم رجع إلى  ابن رشد في قسمي القرآن الكريم واللغة العربية ( 1998ـ 2005) ، ثم أكمل الدكتوراه عام 2001م عن أطروحته الموسومة ( أحكام نوافل الصلاة ) ، وحصل على الامتياز .

أعماله :

في عام  1989م انتدب لتدريس اللغة العربية في محافظة السليمانية ، ثم عين أستاذاً في العلوم الإسلامية في جامعة بغداد / كلية التربية .

وهو من المؤسسين لرابطة التدريسيين الجامعيين عام 2003م، ومن الذين أعادوا تشكيل نقابة المعلمين 2003م .

-عمل مدرساً في كلية التربية في جامعة بغداد .

-ثم خاض غمار العمل السياسي عام 2003 ، ورشح  ليكون نائباً في جبهة التوافق عام 2005م ، وأصبح رئيساً لكتلة جبهة التوافق في مجلس النواب .

 ومن المؤسسين لهيئة علماء المسلمين في العراق .

 وهو عضو مؤسس في  مجلس علماء العراق .

 وهو من المؤسسين لمؤسسة المرتقى للتطوير والتنمية البشرية .

وهو عضو ناشط وكثير النشر في حركة نداء الحرية للتطوير والتنمية البشرية ، وأسس قبل وفاته المؤسسة العراقية للحقوق والتنمية البشرية ، وتشهد له العديد من مساجد العراق بدوره الفاعل ففي نشر دعوة الإسلام وسماحته من خلال الوسطية والاعتدال الذي يحمله ، وانتدب في عدة جوامع للإمامة والخطابة منها جامع الصديق رضي الله عنه في السيدية ، والحضرة المحمدية في المأمون وسعاد النقيب في الغزالية ، وله برامج تلفزيونية ومحاضرات إذاعية في قناة بغداد والبحرينية وإذاعة دار السلام وغيرها ، كان حريصاً على إيصال المساعدات الدائمة للأرامل والأيتام وأهالي المعتقلين ، وأنشأ مستوصفاً  صحياً في الغزالية مع جمع طيب من الأساتذة والأطباء ، وحصل على الأدوية بجهد شخصي .

لم يكن الشهيد رحمه الله يوماً - وهو عضو مجلس النواب - أن ينسى نفسه أنه ابن المساجد ، فقد كانت الدعوة إلى الله تعالى كل همه فلم يكن موظفاً بل كانت الدعوة ورسالة هذا الدين كل حياته ، وكان يبغي أن تكون المساجد عنواناً للإخاء والمحبة ومؤسسة للخير والمعروف والتكاتف والوسطية وإصلاح ذات البين والصلح بين الناس .

كان الشهيد رحمه الله حافظاً للقرآن الكريم عن ظهر قلب ، وشارك في مسابقات القرآن الكريم داخل العراق وعنده إجازة من ملا ياسين العزاوي في القراءات .

إن صورة د. الشهيد الحي الجميلة لا تزول عن العين والقلب؛ فقد كان علماً بارزاً وقمة شامخة تجسد فيه جماع الخير من كرم وصدق ووفاء وتضحية ..

- والشيخ الدكتور حارث العبيدي رئيس كتلة التوافق في البرلمان العراقي ، ونائب رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب .

أخلاقه وصفاته وسجاياه :

كان – رحمه الله تعالى – وحدوياً يدعو لجمع الصف ووحدة الكلمة ، والدفاع عن المظلومين ، ورفع الظلم والحيف عن المأسورين والمغيبين في سجون العراق من أعضاء حكومة العار والذل ؛ ولم يوثر نفسه على شعبه وأهله ويسكن في غياهب المنطقة الخضراء التي احتوت على خدام الأجنبي المحتل ؛ ولم يسكت ولم يستكين في الدفاع عن الأيتام والأرامل .

وكان شوكة في حلقوم الأحزاب الطائفية .

والشهيد حارث العبيدي - رحمه الله - نموذج لنظافة القلب واللسان وسط كومة الظلام التي تلف ما يسمى بالبرلمان ؛ وقد كان يمثل الوجه الناصع للعراق فعلا وسط تلك الظلامية التي يفرضها تواجد المتخلفين والمنتهزين تحت قبة  البرلمان العراقي .

لم يخضع للاحتلال ، ولم يطبل له ؛ كما أنه لم يسكت عن جرائم الفرس التي طالت كل ما هو شريف في العراق من أرض وبشر وشجر .

كان الشهيد حارث العبيدي سيرة حسنة كشجرة زيتون حسنة ؛ لا تنمو سريعاً ، ولكنها تعيش طويلاً ؛ بل تخلد وتبقى مباركة ، لا شرقية ولا غربية ، إسلامية ، إسلامية .
والرحمة والخلود لتلك السيرة الوضاءة السمحة لمن أعتلى منبر الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ وهو صادق النية والسريرة و ويمتاز بالإخلاص  لله ورسوله ولدعوة الإسلام .

وفاته :
وفي 12 حزيران 2009م اغتيل النائب عن جبهة التوافق حارث العبيدي بعد إلقائه خطبة الجمعة ، وعند خروجه من جامع الشواف في منطقة اليرموك غربي بغداد .
عندما أطلق مسلح النار عليه داخل المسجد.

ولقي نبأ اغتيال العبيدي استنكار مختلف الأطراف السياسية والشعبية في حين أكدت قائمة التوافق أن عملية الاغتيال هي ثمنٌ دفعته لمطالبتها بحقوق المعتقلين الأبرياء ، وضرورة احترام حقوق الإنسان التي بذل الشهيد العبيدي حياته دفاعاً عن هذه القيم الإنسانية النبيلة المتمثلة باحترام كرامة الإنسان وحقه في الحياة ، وإن هذه العملية الجبانة لن تثنيها عن المضي قدماً على الطريق الذي خطـّته ، ولا يمكن أن يقف هذا الطريق ، لأن ما كان عليه الدكتور العبيدي هو نهجٌ إسلامي أصيل سنمضي به ، ولا يمكن أن يقف بحدود الأشخاص . 

فرحم الله فقيدنا وأحله دار كرامته في فسيح جناته وجمعنا وإياه في عليين :  (..مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا ) النساء : 69.

من أقواله :

-يصح أن نقول إن الكثير من السياسيين تركوا الحديث الطائفي في معالجة بعض الإشكالات وطالبتُ الحكومة في عدم تدخلهم في الحديث الطائفي الذي لا يعالج قضايانا الشائكة في عراقنا .. وأيضاً الكل يتمنى لكن الحكومة لا يمكن لها أن تتمنى بل عليها أن تنفذ يعني كل مهجر يسأل أول سؤال هل توفرون الأمن لي حتى أعود أم لا  ؟؟ ولهذا نقول للحكومة ، وفري الأمن كي يعود المهجرون ....

هل ذهب دم الشهيد هدراً :
طالبت نائبة رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي شذى العْبوسي رئاسة الوزراء بموقف صريح يبين نتائج التحقيقات التي أًجريت حول اغتيال حارث العبيدي ، مستدركة بأنهم حتى الآن لم يتسلموا أية إجابة.
 
وقالت العْبوسي إن من أبسط حقوق الشعب أن يعرف مصير التحقيق في قضية العبيدي كونه رمزاً من الرموز الوطنية وناشطاً في ملف حقوق الإنسان العراقي ، على حد قولها. 
واشارت العبوسي في ختام حديثها إلى أن هناك نية لاستضافة اللجنة المكلفة بالتحقيق في الفصل التشريعي المقبل في حال عدم ورود النتائج قبل ذلك.

قالوا عن الشهيد :

قال د . بهجت الحديثي : الشيخ البطل والداعية الدكتور حارث العبيدي ، تربطني معه رابطة أخوية من أقوى الروابط في هذه الدنيا وأحبه في الله فهو رجل مثالي وهمه العراق والإنسان فهو إنسان قبل أن يكون أي شيء أخر ، عراقي ، فضلا عن أنه يربطني معه نسب فهو عبيدي وأنا عبيدي فحاولت أن أقول فيه قصيدة ، وهو يستحق معلقات ولكن فاضت أريحتي بأبيات بسيطة أرجو أن تكون في مستوى هذه الشخصية المثالية .. أنا أرى أن الله قد وهبه الشهادة ولا توهب لأي شخص ، فلولا الشهادة ما قامت حضارتنا ولا بلغ السما مجدا ولا شهبا الشهادة طريقنا طريق المجاهدين طريق الدعاة إلى الله .

ومنذ الخمسينات علمنا إخواننا هتافا كنتُ أهتف فيه وما زلنا نردد هذا الهتاف الخالد :  الله غايتنا ، والرسول قدوتنا ، والقرآن دستورنا ، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا :
سيظل اسمك حارساً رغم العــــــدا لحنا به تترنم الشهـــداء
أنت الشهيد وقد بكتك منابر وبكاك أهل الأرض والجـوزاء
لو أن هذا الكون صيغ قصائد في مدحكم ما وفت الشعـراء
شلت يمين الغادرين ومزقت أكبادهم يا ويلهم يا ويلهم حقراء
إنا سنثأر لا محـــــــالة منهم فهم لعمرك سفـــــلة دخـــلاء
فاهنأ بجنات النعيم مكرماً من حولك الأبـرار والأمنــــاء

مصادر البحث :

بتاريخ 17 / 9 / 2009 م .  ،  العدد الثالث والأربعين ، مشاهد عراقية

موقع قناة بغداد الفضائية .

مجلة الرائد ( العراقية ) .