دور المؤمنين المهاجرين في نصرة الثورة السورية

د. محمد ياسر المسدي

دور المؤمنين المهاجرين

في نصرة الثورة السورية

د. محمد ياسر المسدي

إن المعركة القائمة اليوم على أرض سورية الحبيبة هي معركة حقيقية لامراء فيها فهي معركة بين الحقِّ والباطل ، بين المظلوم والظالم ، بين الأحرار وبين والطغاة المستبدين ، طرفاها : النظام الأسدي الظالم وأبواقه وعملاؤه من جهة ، والشعب الحُر الأبّي المطالب بحريته وكرامته في الجهة الأخرى .

فالطرف الأول سلاحه : القتل والبطش والسلب والتدمير ،

والطرف الثاني سلاحه الجهر بكلمة الحق ، والصدع بها مهما كلَّف الثمن ، وغلت التضحيات وإن الجهر بكلمة الحق يعتبر من أعلى مراتب الجهاد قال صلى الله عليه وسلم :    ( أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ) رواه أبو داود والترمذي وفي رواية النسائي ( كلمة حق ) كما بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر في معرض الحديث عن جهاد أهل الضلال ، فَضْلَ الجهاد بالقلب واللسان فقال : ( فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خردل ) رواه مسلم ، ومعنى ذلك أنّ مَن لم يجاهد الطغاة والظالمين بلسانه ولا بقلبه فليراجع إيمانه .

لاشك أننا وكلَّ أحرار سوريا الذين يعيشون في أرض المهجر نعيش أحداث سوريا بكل أحاسيسنا ومشاعرنا لحظة بلحظة ، وخبراً بخبر ، نُكْبِر بطولات هذا الشباب الثائر ، ونتضاءل أمام تصميمهم وتضحياتهم ونتمنى – صادقين بإذن الله – لو نستطيع مشاركتهم بأنفسنا وأرواحنا ، لكي نحظى بهذا الشرف العظيم ، وحتى تأتي هذه اللحظة وهي قادمة - بإذن الله تعالى - نتواصى بالأمور التالية :

1.                       عقد النية الصادقة على مؤازرة الثورة بكل الإمكانيات المتاحة ، وهذا كفيل بإذن أن يُكتب لصاحب هذه النية أجر الجهاد ودليل ذلك مارواه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب أصحابه في احدى الغزوات بقوله : ( إنَّ بالمدينة لرجالاً ماسرتم مسيراً ، ولاقطعتم وادياً ، إلا شركوكم في الأجر، حبسهم العذر ) .

2.                       بذلُ كلِّ مانستطيعه من دعم مادي ومعنوي ، أما الدعم المادي فيكون بمساعدة أسر الشهداء والجرحى ومؤازرتهم وتفقد أحوالهم وكفالتهم ، كلُُّ حسب طاقته .

3.                       مساعدة المتضررين الذين فقدوا أعمالهم وتجارتهم بسبب هذه الأحداث ، ومدُّ يد العون لهم حتى يستمروا في معركتهم . وإن المشاركة المادية جهاد في سبيل الله تعالى        قال تعالى : { وجاهدو بأموالكم وأنفسكم في سبيل  الله } التوبة :41 فقدَّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس وفي الحديث الصحيح ( ومَنْ خلف غازياً في أهله فقد غزا ) وطبعاً كما تقدم الغزو الذي نقصده هنا يعني الجهر بكلمة الحق .

4.                       دعم الثورة إعلامياً ، فالاعلام نصف المعركة ويكون ذلك بالتعريف بقضيتنا العادلة عبر وسائل الإعلام المتاحة إما بمشاركة جزئية أو كلية ، أو إرسال رسالة ، أو كتابة مقال مفيد ينشر في موقع أو مجلة . يشدُّ من أزر الشباب الثائر ويزرع في نفوسهم روح التفاؤل بالنصر والفرج .

·   تقويه الصلة بالله تعالى والأخذ بأسباب النصر الواردة في الآية الكريمة { يأيها الذين أمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ، وأطيعوا الله ورسوله ، ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إنَّ الله مع الصابرين } الأنفال .

·    { فاثبتوا } الثبات عند اللقاء ، هو بداية الطريق إلى النصر ، فأثْبَتُ الفريقين أغلبهما ، مع التذكر بأن العدو مهما أظهر أنه الأقوى والأبطش فإنه في حالة معاناة وقلق شديدين ، وربما أكثر مما نحن فيه بكثير وصدق الله تعالى : { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون } .

ويكفينا معشر المؤمنين ، أننا موعودون بإحدى الحسنيين : الشهادة أو النصر ، بينما العدو لايريد إلا الدنيا المتمثلة في الحفاظ على الكرسي ، وحبِّ التسلط ، ونهب ثروات الشعب ، ولاأمل له غير هذا .

·   { واذكروا الله كثيراً } : أما الذكر في أثناء المعركة فله تأثير عظيم وفوائده كثيرة منها :

·   إنه اتصال بالقوة الحقيقية التي بيدها النصر { وماالنصر إلا من عند الله } .

·   الذكر يمنح الذاكر الثقة بأن الله ناصر المستضعفين وقاهر الظالمين .

·   الذكر لله وحده يستشعر الذاكر من خلاله حقيقه المعركة بأنها لله تعالى ليست لمغنم مادي ، ولالغرض شخصي إنما هي خالصة لله تعالى ، الهدف منها إزالة الطواغيت الذين سلبوا الشعب حريته وكرامته ، ولعلَّ الشعارات التي رددها المتظاهرون ( الله – حرية – بس ) هي أفضل تعبير عن ذلك بالإضافة إلى رفع شعار التكبير الذي عمَّ أرجاء سوريا فأرعب الطغاة وأذهلهم ، إنه عنصر هام من عوامل النصر فلنتسلح به { واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون } .

·   { وأطيعوا الله ورسوله } طاعة الله تعالى تتمثل في امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، فينبغي علينا أن نكون في هذا الظرف أكثر صلة بالله تعالى من أي وقت آخر وذلك بالمحافظة على الفرائض والحرص على أداء الصلوات مع الجماعة وخاصة صلاة الفجر ، التي مَنْ صلاها مع الجماعة كان في ذمة الله . والإكثار من النوافل ( ومايزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ) والاستغفار والدعاء ، في وقت الأسحار ، فإن سهام الأسحار لاتخطئ وفي الحديث ( الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض ) رواه الحاكم بإسناد صحيح .

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم بالعريش يوم بدر يصلي ويبكي ويدعو ويلح بالدعاء حتى يسقط رداؤه عنه رغم أن الله وعده بالنصر وهو واثق به ثقه مطلقة حيث أخبر أصحابه قبل بدء المعركة بمقتل صناديد قريش وحدد أسماءهم وأماكنهم ، وما ذلك إلا ليوجهنا إلى أهمية الدعاء ، فالالتجاء إلى الله تعالى والتوكل عليه مفتاح الفرج وباب النصر روى البخاري عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقيَ في النار وقالها صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس { إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } .

·   { ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } فساد ذات البين ، من الأمراض الخطيرة التي ينبغي أن نتخلص منها ، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الحالقة التي تحلق الدين وهي غاية مايسعى إليه عدونا ، لأن فساد ذات البين تعني الفشل الذريع والإصابة بالوهن والخور { فتفشلوا وتذهب ريحكم } علينا أن ننسى خلافاتنا ، ونطهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد حتى نستشعر أننا جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر .

وختاماً أسال الله تعالى أن يتقبل شهدائنا ويُعليَ منزلتهم وُيلهم أهلهم الصبر ويعوضهم الخير ، ويؤجرهم في مصابهم ، وأن يشفي جرحانا ، ويفك أسرانا ، ويقرَّ عيون كل الأحرار بإهلاك الطغاة الظالمين ويمزق ملكهم ويقذف في قلوبهم الرعب حتى يعود لوطننا السليب حريتة وكرامته ويتحقق فينا قوله صلى الله عليه وسلم ( إنَّ الله تكفَّل لي بالشام وأهله ) إن أكرم مسؤول ونعم المجيب .