لحظات... حاسمة

محمد البوزيدي

في مجموعته القصصية الجديدة يأبى القاص جمال الحنصالي إلا أن يستوقفنا للحظات معينة في *لحظات....حاسمة* ،لحظات اقتنصها من الزمن المغربي الهارب ووزعها في باكورة إبداعاته على أنساق مختلفة موزعة بحس فني متميز على سبعة محاور (العنف /الحلم /الصمت/فقدان الذاكرة /انتحار /انهيار /وفاء)، لحظات تجد تجلياتها في الواقع الرديء الذي نعيشه والذي يتوزع داخل المجموعة بكل تفاصيله القاتمة .

فالعنف الراهن والمنسوب خطأ إلى آدم في إحالة تاريخية على صراع البقاء بين هابيل وقابيل يأتي نتيجة ومحاولة إقبار حلم معين ولو كان للحمام الزاجل الدال على الحرية، وطبيعي أن تعنيف الحلم لن ينتج سوى الصمت الذي يجتاح كرسيا هادئا لا يتحرك إلا من خلال الآخرين، صمت ينتج عن فقدان الذاكرة بما تحتويه من استطلاعات وتأملات في الحياة والتي لا تترك حلا لصاحبها إلا الانتحار المعنوي إذا لم يتمكن من المادي، لأنه سيجد نفسه أمام حالة انهيار تستبعد استرجاع مسافات، مما ينتج عنه وفاء متميز  لكل القيم الإنسانية التي حاول العنف تحطيمها منذ البداية .

وفي سعيه لبناء هذه اللحظات في مجتمع لا يرحم

 وتحليلها أمام القارئ فإن المبدع جمال الحنصالي يمتح من اليومي عبارات وأفكار تقترب من الألغاز حينا ؟ وتهرب للتصريح أحيانا أخرى، بل في أحايين عدة تسبح على أصوات الطيور والعصافير المسافرة في الفضاء المفتوح، هذه العبارات  تتناثر  مثل اللحظات في المجموعة مثل مطرقة تزلزل ما حولها وتصدح في ذهن المتلقي بقوة :أرصفة متآكلة ،الحائط العتيق،رائحة العرق ،حياة رتيبة ،يدين مرتجفتين ،الضيم ،الغيض ، الشجون ،الخوف،الضجر..وكلها مترادفات ترتبط ب جسد منهك..قد يكون كل واحد منا صاحبه المفترض.

فهل الكاتب يوزع اللحظات الصعبة المتبقية من زمننا المغربي الفج ؟

أم يتوقف عندها ليصيح حولنا بما يقع غفلة منا قبل أن نستأنف المسير ؟

أم يسارع ليكون نبيا في عالم مل من إعادة ترتيب لحظاته بعد أن تمكن من تفكيكها ؟

و في محاولة للجواب عن هذه التساؤلات الصادمة عزيزي المتلقي ستكتشف بين ثنايا اللحظات الحاسمة تساؤلات أخرى مفتوحة  ومتسعة وشاسعة شساعة حلم الكاتب، والذي ينبثق من تحليل لآلام الواقع الرديء الذي يكرر نفسه كل وقت وحين، طامحا نحو غد أفضل وأمل مستقبلي واعد، يؤمن بقيم ذكر بها الكاتب للإشارة إلى أهميتها وضرورة التحلي بها في لحظاتنا الحاسمة :العدل..المساواة القانون.. الحقوق ..إنه الأدب الواقعي بامتياز والذي يناضل بطريقته الخاصة نحو مجتمع جديد.

وسعيا منه لإيصال الفكرة جيدا يستلهم الكاتب الذي يمارس الشعر أيضا منهجا أدبيا يقوم على اللغة المباشرة بعيدا،عن كراء محراب اللغة المشاكسة التي لن يفهمها الجميع، لغة لا مراء فيها ولا مراوغة، وبأسلوب قصصي متميز يعتمد قصر النفس، هروبا من الملل الذي قد يشعر به المتلقي في لحظات ما، فالملل لا محل له في لحظات مجتمعنا الحاسمة مجتمع توالت عليه :هزيمة مرتقبة ،جروح ،كدمات ،عجرفة ،تذبذب ،حقد ،أسقام ،آلام ..سبات عميق .....فهل الأمرمقدمة لعزف سمفونية الموت لا قدر الله خاصة أن طبيعة المجموعة القصصية التي تسبح فيها قاسية تتجلى في  الغيوم الداكنة .. الرياح الشديدة ...

إن لحظات حاسمة وقفة جديدة مع ذات المغربي الذي تراكمت عليه الخيبات تلو الأخرى وتحمل طموحا واعدا نحو غد جديد .وهذه هي وظيفة الأدب المتميز وهي معالجة الواقع بأسلوب جميل ولغة راقية تستهوي القارئ.