بين دِفّتَيْ ديوانٍ أنيق بعنوان: "كُلَّما اتَّسَعتْ تضيق" للشاعر: زياد السعودي..عميد أكاديمية الفينيق

ثريا نبوي

أبدأُ باسمِ اللهِ فأستعيرُ قولَ قائلٍ:

وبليَّتِي في "الشِّعرِ" أنِّي أينمَا**وُجِـدَ الجمالُ وجدتُّ أنِّي صَبُّهُ

لِأعترِفَ بادِئَ ذِي بَدءٍ أنني أسيرةٌ لِكلِّ ما قرأتُهُ من إبداعاتِ شاعرِنا القدير، وما نَبَضَ في شرايينِ هذا الديوانِ مِن لَوحاتٍ حَيَّةٍ تَضِجُّ بِالجمال، رُسِمَتْ بريشةٍ حاذِقةٍ فائقةِ الإحساس، في مَرسَمِ فنَّانٍ تنوءُ روحُهُ الشاعِرةُ بأكداسِ الألمِ بكل الألوان، وإنِ استأثرَ الهَمُّ الوطنيُّ بأشَدِّها قتامًا، وأثقلِها إيلامًا، وبَقِيَ طيفُ الأملِ مُترائيًا على استِحياءٍ في خلفيةِ اللوحات؛ إيمانًا برسالةِ الشعرِ النبيلة، ومَهامِّهِ الجليلة في النَّسْجِ: بحرفٍ مِن ألم وحرفٍ مِن أمل، إلى أن يَهتديَ الفجرُ التَّائهُ إلى العُنوانْ.

:ثُمَّ أنتقِلُ إلى تعريفِ "كولرج" للشعر بأنه

"أسلوب" لإثارة العواطف للوصول إلى سرورٍ آنيٍّ يتخذُ الجمالَ وسيطًا "لحقيقة"

لِأُعقِّبَ بقولي: بل هو فَنٌّ مُتكامِلُ الأدواتِ والصفاتِ، والأركان

فالعُنوانُ الذي هو أولُ عتباتِ الديوان، قد قامَ بدورِ الفنارِ للنوارِسِ المُهاجِرةِ في رحلتِها المُمتدَّةِ فوق البِحار، فقد اختزلَ تفاصيلَ القصائدِ بِحُنكةٍ، جاءتْ بنكهةِ الصَّابِ العلقَمِ، فكان التكرارُ الذي أوحتْ بهِ (كُلّما) والانفراجُ في (اتسعتْ) ثم صدمةُ فُقدانِ الأمل واكتشافِ خِدعةِ السَّراب (تضيق)، قفزًا عنِ البيتِ التُّراثيِّ الشهير:

ضاقَتْ فلمَّا استحكمتْ حلقاتُها**فُرِجَتْ وكُنتُ أظنُّها لا تُفْرَجُ

فهل مِن ضوءٍ وتكثيفٍ يفوقان؟ وكأنَّما احتضَنَ العُنوان، كلّ ما يَقودُ إلى فَكِّ شفراتِ الديوانْ.

وحَسْبُ الإبداعِ، ما أُلقِيَ علينا من عباءاتِ المَسرَّاتِ، بِقُدراتِ الشاعرِ على إسعادِنا، بِمُصاحبتِهِ في إبحارِهِ المُتمَكِّنِ في بُحورِ البيان، مُنَضِّدًا إبداعاتِهِ بالياقوتِ والمَرجان، وبخِبرتِهِ التراكُميةِ في اعتلاءِ الموجِ وصولًا إلى الشُّطآن؛ فليسَ سهلًا تَمامًا أنَّ شاعرًا يُبكيكَ، على وطنِهِ المفقود أو صديقِهِ الذي ابتعدَ ولا يعود، وفي آنٍ معًا، يخطِفُكَ مِنْ فَيضِ مآقيكَ، لِيُرِيَكَ كم هو مُفرِطٌ في الجمالِ ما قد قالْ. 

فها هو شاعِرُنا القدير، عَبْرَ وسائطَ شِعريَّةٍ مُفرطةٍ في بلاغتِها، أنيقةٍ في بِنيَتِها، يُحرِّكُ عاطفةَ قارِئِهِ، عاصِفةً، نحو الوطنِ وأوجاعِهِ، تلكَ التي تستعصي على الحصر، كما تبدو بِلا أملٍ في البُرء، مع تمطِّي ليلِ الأسى بِلا فَجرٍ يَرُدُّ التَّحيةَ، كلما لوَّحتْ قلوبُنا خلفَ الضُّلوع، فليس غريبًا هذا التفاعُلُ الذي استطاعتْ، من خِلالِهِ، هذه القيثارةُ الشّعرية –بِشكلٍ عامّ- أن تغمُرَنا بِسحرِها الذي انسابَ نَغمًا عذبًا في المُوشَّحاتِ-بِشكلٍ خاصّ- وأن تَتغلغلَ في وِجدانِنا وتزرعَ في قرارتِهِ، كلَّ ما تُريدُ مِن إحسان، مُورِقًا مُزهِرًا مُثمِرًا على مَرِّ الزّمانْ.

وحينَ يُرَوِّحُ عن ذاتِهِ الشاعرةِ - وما أكثرَ أحزانَ الشُّعراءِ، وما أطولَ إقامتَها، حتى إنها لَتُقيمُ ما أقامَ "عَسِيبُ" – فإنهُ يقولُ ما شاءَ لهُ الجمالُ أن يقول؛ فيملأ قلوبَنا بهجةً لا تَزول، مِثلَما أبدعَ لنا "في حَضرةِ الخَفَر" ، وغيرِها مِنَ الدُّرَر، لِتَشهَدَ صُوَرُهُ النَّاطِقة، ومشاعرُهُ الورديّةُ الدَّافِقة، بأنَّ هذه الرومنسيةَ الرَّائقةَ، قد صِيغَتْ من نقاءِ الياسَمينِ وسَطوةِ الرَّيَاحِين، لِتَبْقى طاهرةَ الأردانْ!

يَرصُدُ شاعرُنا بِكُلِّ وَعيٍ ورَهَفِ شُعور، كلَّ ما يدور، لِيُعَتِّقَهُ في خَوابي القلبِ وذاكرةٍ تأبى أن تكونَ مِصفاةً للهموم، ثُمَّ يَصُبَّهُ في كؤوسٍ شِعريةٍ: ِنَبِيذَ حرفٍ تَمَيَّزَ بالتَّمَرُّدِ على الأنساقِ التقليديةِ، في التراكيبِ والعناوينِ، وقوالِبِ البلاغةِ، والتعاطي مع الأبجديةِ - أوِ "الأبتَثيّةِ" كما ابتَكرَها ذاتَ إبداع- حُروفًا ومُفرداتٍ،  ودَهشةَ انزياحاتٍ، وإعادةَ هيكلاتٍ، رُبما كان أولُ قراءتي لها في شِعرِ الحلَّاج، ولكن نَجمَ شاعرِنا الزياد، قد ازدادَ لآلاءً، بِجُرأةٍ مَحمودةٍ لا تُقاطِعُ الحداثةَ وقد عَصرَت أطيبَ  كُرومِها، ولا تتوانَى عن تَزيينِ أبنيةِ القصيدِ بالبليغِ الزاهي مِن قِرمِيدِ التُّراثْ.

وحَسبُ الشاعر وهو يُثري تُراثَ أجدادِه، ويُعلي رصيدَ أمجادِه، أن يكونَ بعيدًا عنِ التقليد، جريئًا غيرَ هيَّابٍ للتجديدِ، والخروجِ عن المألوفِ: لُغةً يُحييها أو يبعثُها مِنْ مَراقِدِها، فِكرًا واشْتِقاقًا، وتوظيفًا بَرَّاقًا، يحمِلُنا معهُ إلى عوالِمَ سِحريةٍ فيَّاضةٍ بالدَّهشَةِ الأولى، تلك التي لا تَعرُو المُتلقِّي؛ إلَّا لأنَّهُ: قرأ نفسَ الـ (ماذا) بـ (كَيْفٍ) جديد! وفي هذا يقولُ أحدُ النُّقَّادِ العارِفينَ ما مَعناه:

أنَّ مَنْ كانَ لَديهِ شِعرٌ مُختلِفٌ فليِأتِنا بِه، أو فلينزِلْ بِهِ إلى سُوقِ القَصيد!!!

بعيدًا عنِ المُجاملاتِ أُضيف: لَمْ يكتفِ شاعرُنا المبدِعُ بأن يكونَ صوتُهُ الشعريُّ مُختلِفًا مُجَدِّدًا؛ رافِضًا الِاعوِجاجَ وسُوءَ المآل، حدَّ إثارةِ كلِّ مُتَأجِّجٍ  تحتَ الرمادِ من براكينِ الثورةِ على الطغيانِ والفَسَاد -مُتفَوِّقًا على أحمد مطر_ ببلاغةٍ قدَّمَها لنا في أطباقٍ من العسلِ المُرّ، على مائدةِ الكوميديا السوداء، وبتمدُّدِ صرخاتِهِ السَّاخرةِ الأجراس، إلى آفاقٍ أبعدَ مِن مَواقِعِ الأحداثِ؛ فاشتَجرَ هذا الصوتُ الهادرُ لِهمومِ الذاتِ، بصوتِ الجُرحِ الوطني الرَّاعِفِ في كل الجبهات، لِينصهِرا معًا في بَوتَقةِ الإنسانية، وهو ما يجعلُ أصداءَهُ عابرةً للزمانِ والمكانْ.

يقولُ الشاعرُ الإنجليزيّ جون كيتس ما تَرجَمَتُه:

إنّ المَعزوفاتِ التي نسمعُها جميلة، ولكن الأجمل هي تِلك التي لَمْ نسمَعْها بعدُ!

"Heard melodies are sweet, but those unheard  are sweeter"

JOHN KEATS

فإلى مَعزوفاتٍ على ناياتٍ مَقدوداتٍ مِنْ صخرةِ الآهاتِ، في ليالٍ شِتويَّاتِ المَلامِحِ، "مع سَبْقِ التَّشَظِّي والشَّتات" لِنستَمِعَ إلى هذا العازِفِ الفريدِ، الذي (أنَّ أنُّهُ)، فأنشأَ عاصِمةً للحُزنِ لا تغسِلُها جِرارُ المُزن، لِتَئِنَّ فيها ناياتُهُ الحِسان على شواطئِ البيانْ.

لقد احتلَّتْ وِجداني رائعتُهُ العبقريّةُ التي عَنونَها: "من حيثُ لا أدري"

ومِن حيثُ لا نَدري: سَيبقى صوتُهُ الأندلُسيُّ الشَّجِيُّ الذي اختزلَ الجمالَ في هذا الديوان؛

يتردَّدُ في الآذان:

ذا صوتُ إنساني وكُلُّكُم إنسانْ!!!