من يملك الحق في التنازل عن الحقوق؟؟ والمجرم ممنوع من المساءلة والمحاسبة..

زهير سالم*

في النحو العربي قاعدة نحوية تندرج تحتها العديد من الأبنية اللغوية يسميها النحويون" الممنوع من الصرف"

وكذا في السياسة الدولية قاعدة أخرى تخص زمرة حافظ وبشار الأسد، وربما زمرا أخرى عنوانها: ممنوع من المحاسبة والمساءلة. وعمر هذا القانون الذي يخص الأسدين ، والذي لم يسقطه تقادم حتى اليوم، واحد وسبعون عاما.. وهو عمر كما ترون طووووويل

يفيض السوريون واللبنانيون في التنقيب عن أسرار هذا القانون الفوق أممي، ولكنهم لا يكادون يختلفون عليه. فمنذ أن اغتصب حافظ الأسد حكم سورية 1970 وحكم لبنان 1975.. ارتكب من الجرائم الإنسانية والسياسية والاجتماعية بحق البلدين والشعبين ما يشيب له الولدان..ومع ذلك لم يدفع أحدهما يوما ثمن جريمة. وكان الضحايا دائما بلا قود ولا عوض.

 

جرائم إبادة، وحروب اجتثاث طائفي، وتدمير مدن، وخراب عمران، واغتيالات طالت رؤساء وقادة وعلماء وصحفيين وأبرياء، واستعمال أسلحة محرمة كيمائية وغير كيمائية، واختراق خطوط حمراء وبرتقالية، والاستهتار بقوانين السلم والحرب، واستخدام للأسلحة المحرمة دوليا ضد ألد الأعداء .. كل تلك الجرائم كان يحللها تصريح شهير للرئيس الفرنسي شيراك 1988 وذلك قبل أن يحتل منبر الرئاسة في الإليزية، يوما قال لنظرائه الأوربيين تعليقا على تفجير طائرة الركاب التابعة لشركة "بان أمريكان" فوق قرية لوكربي في اسكتلندا: قال شيراك يومها: "لا تنظروا إلى طائرة يفجرها حافظ الأسد هنا، ولا إلى صحفي يختطفه هناك؛ انظروا إلى ما يقدمه لنا في قمع الأصولية في الشرق الأوسط".. وها هنا يكمن سر الأسرار، الذي يلوي أعناق الكبار والصغار، آناء الليل وأطراف النهار. في نهاية السوق يحسب التاجر ماذا ربح وماذا خاسر، ودائما التاجر اللئيم مستعد أن يدفع ثمن ربحه ولو من حرّ ماله أو رجاله..ومن هنا فإن فرنسة لا تسأل كثير عن دم صحفييها آلن جورج ومثله على الطريق لكل سلطة الشر كثير.

إنها "الجريمة- القربة" التي كفّرت عن حافظ، وما تزال تكفر عن بشار الأسد كل الجرائم والذنوب والخطايا..لقد فعل بشار الأسد في سورية وشعبها ما عجز عن صنعه بلدوين وأرناط وريتشارد قلب الأسد من قبل ..فهل يكافئونه أو يعاقبونه وهنا لا يتلعثم الجواب !!

كل الحديث عن إعادة التأهيل اليوم يغفل بشكل أو بآخر الحديث عن عناوين شُغّل عليها كثير من سذجنا يوم كان للثورة حظ موهوم .. أذكركم عناوين لم يعد أحد يذكرها، وكانوا يذكروننا بها صبحا وظهرا وعصرا وعشيا..

اتفاقيات جنيف الأربعة- الجرائم التي لا تسقط بالتقادم- العدالة الانتقالية- اليوم التالي- وكان هذا أكثر العناوين إثارة للغيظ والسخرية- والمساءلة والمحاسبة. وكيف كانوا يحدثونكم أكثر عن تجربة رواندا - والبوسنة - وعن الزعيم الأفريقي " نيلسون مانديلا" الذي عفا فكفى...

بشار الأسد ومن قبله أبوه لم يدخلوا حمامات الدم، ولا حروب الإبادة ولا عمليات تدمير أوابد الحضارة في مدن الشام التي لا أول لها، إلا بتفويض رسمي معتمد وموقع من كل صاحب قرار في عالم الشر الرهيب.

هل تذكرون كيف وقف العالم على أصبع واحد من أجل ما عُرف بأزمة آثار "باميان" ولم يبك أحد على معلم من معالم حضارة سورية كما بكوا أو تباكوا على آثار باميان، إلا ما كان من أمر معلولا وراهبات معلولا، حتى قال سمير جعجع يومها: سورية أكبر من معلولا..لم يبك أحد في سورية لا على حجر ولا على شجر ولا على إنسان ولو جنينا تقتحم عليه ظلماته الثلاث

وأستمر معكم وأعود إلى القرار 2254 ، القرار الذي احتقبه بعض الناس، واستظهروه، واستلحفوه، وجعلوه شعارا ودثارا، ورداء وإزارا ..فأراه أشبه بورقة توت..

ولا أجد فيه كلمة واحدة: عن محاسبة أو عدالة أو رد حقوق أو إيقاع عقوبة أو جزاء ..

وأنظر إلى مسيرة من يسير بالأمر اليوم، وأتذكر قول الأعشى عن هريرة صاحبته، التي لا يطيق لها وداعا، وأراهم يمشون مثلها..

وكأن مشيتها من بيت جارتها .. مرُّ السحابة لا ريث ولا عجل..

في سورية وفي لبنان جرائم عامة ارتكبتها عصابة ضد مجتمع، وأفراد ضد أفراد ..لا يملك أن يوقع عنها إلا أصحابها.

فلو أنا على حجر ذُبحنا .. جرى الدميان بالخبر اليقين.

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية