بين نتنياهو وأنظمة الاستبداد: «عيديات» العرب في الأضحى

رأي القدس

الأعياد الوطنية أو الدينية التي تمرّ على الشعوب في غالبية الأقطار العربية لم تعد أيام فرح واحتفال وسلام ولمّ شمل، بل صارت مناسبات تعيد التذكير بالأحزان والمآسي والمنغصات، تتقاطع فيها هموم المواطن المعيشية تحت وطأة الغلاء والندرة وانحطاط الخدمات الصحية والعامة والتعليمية مع ضغوطات أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية وانعدام الحريات العامة والحقوق المدنية وانسداد آفاق المستقبل أمام الأجيال الشابة بصفة خاصة. وكل هذا بمعزل عن جرائم كيانات غاصبة واستيطانية وعنصرية، وما يتوازى معها من عواقب الاحتلالات الأجنبية وتدخلاتها في الصراعات الداخلية للأنظمة والحكام والميليشيات.

وحال عيد الأضحى لا تختلف هذا العام أيضاً فتسجّل المزيد من الضنك والكرب في معظم البلدان العربية، وكأن القوى المهيمنة تتقصد استغلال قدوم العيد لإنزال صنوف أشدّ من العقاب والتنكيل، وإيصال رسالة بغيضة دائمة بأن يوم العيد ليس استثناء من القاعدة بقدر ما هو فرصة لتثبيتها وترسيخها. وليس غريباً أن يستوي في التذكير حاكم عربي مستبد، مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي قدّم للشعب الفلسطيني «عيدية» إضافية بما تسرب من تصريحاته خلال جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، من أنه يتوجب العمل على اجتثاث فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، وقطع الطريق على آمال الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة لهم.

«عيديات» أخرى وحشية ودموية يواصل جيش الاحتلال تقديمها إلى الفلسطينيين مع حلول العيد، في جنين ونابلس والقدس والضفة الغربية وسائر فلسطين، من دون أن يستثني بلدات وقرى الجولان السوري المحتل عبر تهويد آلاف الدونمات بذريعة إقامة مشاريع طاقة الرياح. أما الهدايا الخاصة بالمستوطنين فإنها تتمثل في إقرار بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، ومنح الوزراء الأشد فاشية في الحكومة صلاحيات إضافية واسعة في تمكين البؤر الاستيطانية وتشجيع قطعان المستوطنين على ارتكاب مختلف أعمال العنف ضد الفلسطينيين في بيوتهم ومدارسهم ومزارعهم.

 

وفي المقابل لا تملك الإدارة الأمريكية سوى طراز واحد من المعايدة للشعب الفلسطيني، ينحصر في إبداء «القلق الشديد» إزاء عربدة حكومة الاحتلال ودوسها على مبادئ الحدود الدنيا التي تعتمدها الولايات المتحدة ذاتها بشأن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، سواء حلّ الدولتين الذي يسعى نتنياهو إلى اجتثاثه، أو قرارات الأمم المتحدة بصدد الاستيطان وحقوق الفلسطينيين، ومثلها خلاصات القانون الدولي حول ممارسات الفصل العنصري وحقوق الإنسان ومدينة القدس وسواها.

ولا يعدم المواطن العربي «عيديات» أخرى تتقاطر عليه من غالبية الأنظمة الحاكمة، فتتواصل حروب الجنرالات في السودان وتبلغ موجات النزوح والمآسي الإنسانية ذرى غير مسبوقة، ويُطحن المواطن اليمني أكثر فأكثر في أتون حرب بات وحده يدفع أثمانها من لقمة عيشه وعافية أطفاله وخواء معدته، وفي سوريا يتكاتف طيران النظام مع القاذفات الروسية لقصف أسواق خضار وفواكه ومساكن ومساجد، وفي مصر يسكت مجلس النواب عن عشرات المشكلات التي تحيل الحياة اليومية إلى جحيم فيتشاطر على تغيير اسم الأكاديمية العسكرية المنسوب إلى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

والأرجح أن ما خفي خلف هذه «العيديات» أدهى وأقسى وأعظم.