في ذكرى عاشوراء

زهير سالم*

درسنا الأفخم الذي يجب أن يكون: "كيف نستفيد من درس كربلاء؟؟"

وإذا بجّلنا وفخمنا وطبلنا وزمرنا.. فكيف نستفيد؟؟

ولا أظن مسلمَين يختلفان على حب سيدنا الحسين، ولكن الثقات من علماء الأمة الناصحين، قالوا في كربلاء الكثير، مما لا نقول.

وأوجز ما قالوا : إن يومها كان يومَ كرب وبلاء.

أتذكر أحدهم على منبر الجمعة في حلب يتباكى على أن شيوخه ما علموه عن كربلاء… حثوا التراب في وجه هذا ومحازببه.

وكربلاء في تاريخ المسلمين ليس عيدا فيمجد، ولا هو يوم "فتح الفتوح" فيحمد، ولا هو يوم للبطولة فيشاد به؛ بل هو يومٌ مسنا فيه القرح، ويخطئ من يظن أن ما مسنا من القرح يوم أحد كان من فعل المشركين وحدهم، وإنما العقلاء هم من يستنبطون العبر فيعتبرون.

وربما يمنعنا الحب لسيدنا الحسين رضي الله عنه الذي يجمعنا، فكيف يرى المحب كل ما يصدر عن الحبيب!!

رؤيتنا لخيارات سيدنا الحسين، رضي الله عنه، وما كان منه، تصدر عن عين الحب والرضا!! وليس عن محاولة الاستفادة من الدرس، بأبعاده.

 

وتحفظون ما قيل لكم عن عين الرضا.. وكفى، فلا أريد أن أزيد

قال له أحد الناصحين: "قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية!"

تأملوها واسألوا: ماذا عنت لسيدنا الحسين كلمة الناصح هذا؟؟

واعكسوها على حالنا اليوم. وتعلّموا لتعلموا!!

سيدنا الحسين وثق بالوعود والعهود!! وتعلمون كيف كانت نتيجة هذه الثقة!! تجربة أليمة ما زلنا نمجدها، ونكررها بعد ألف وأربع مائة من السنين!!

 لشدة الحب، سرنا على نفس الدرب، ووثقنا ببعض الوعود الطيارة، فزدنا على سيدنا الحسين!! هو وثق بالعهود الموثقة بالأيمان، وكان عنده قمطر من الرسائل الممهورة..

ونحن غرنا كلام على الهواء.

وها نحن ندفع ثمنا ربما كان أقسى..

أترون كيف يفعل الغرور والتغرير!!

نحن في الشام اليوم لسنا أربعين نفسا محاصرين في كربلاء..

علمنا جد الحسين: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين!!

يقول لك أحدناًويرفع بها صوته: على درب الحسين نمضي!! بالله عليك أي درب مضى عليها سيدنا الحسين؟؟!!

وعرض على جند عبيد الله ابن زياد وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فقال: اسمحوا لي أن أعود من حيث جئت!!

وقال لهم: اسمحوا لي أن ألحق بالثغور فأجاهد الروم!!

وقال لهم: اسمحوا لي أن أذهب إلى ابن عمي يزيد في دمشق..

وأسأل نفسي إذا كنتَ لا تريد أن تسأل نفسك: ما كان أغناه عن كل هذا، لو أصغى لكلام الناصحين!!

لكي تدرس التجربة اجمع اطرافها بحذافيرها ومن مصادرها الأوثق، ثم امض بعقل وقلب، ولا يغني أحدهما عن الآخر.

أنا لم أستطع أن أكمل قراءة رواية ابن كثير لوقعة كربلاء، غرقت في الحزن والدموع كان هذا ربما قبل ستين عاما..

كان ابن كثير المفسر والفقيه والمؤرخ السني الوقور، كأنه - بعد ست مائة عام من الوقعة- يحمل كاميرا ثلاثية الأبعاد، وينخرط في قلب المشهد حتى يصل إلى مهد الرضيع الصريع، ويصور كل حركة كل نأمة كل صوت..

تراجيديا ملحمية مغمسة بالدم الأحب..

بعضنا لا يقرأ من التاريخ إلا ما يعجبه!! ثم يقول لك على درب الحسين!!

رسالتي: لا تبجّلوا التجارب المتنحية الأليمة، بل ادرسوها حتى لا تظلوا في إطارها تدورون..

ادرسوها واستخلصوا منها الدروس والعبر والفوائد لعلكم تفلحون..

لم يؤت سيدنا الحسين رضي الله عنه، من قلة دين، ولا من ضعف يقين، كما يقولون لكم عنكم؛ وإنما أوتي كما أوتيتم أوتينا من قلة إحكام ومن كثرة اغترار هذا درس كربلاء

وكانت كربلاء على الأمة "كربا وبلاء"

والاستفادة من درس كربلاء لا تكون بالتهليل والتمجيد!!

رجل يسير من الحجاز إلى العراق بأربعين من أهل بيته، بينهم نساء وأطفال، ولا يخشون ذئاب الطريق!! إما أن تحسبوها لبني أمية، الذين أمتوا السبل، أو أن تقولوا فيه قولا آخر، أنا لا أريد أن أقوله، وما يمنعني من قوله إلا حبي إياه..؟!

بل أستحيي أكثر من سيدتي الزهراء رضي الله عنها..أن أقول في صاحب هذه الفعلة ما يستوجب أن يقال.

ثم نزعم أننا أهل سنة وجماعة..

فإذا صرنا إلى ذكرى كربلاء انقلبنا إلى شيعة، جعل يومُ عاشوراء المسلمين كلهم شيعة؛ شيعة يلطمون وشيعة لا يلطمون…!!

قلت: لا تمجدوا التجارب الخاطئة، بل اجعلوها دروسا وعبرا، واستفيدوا واعتبروا مما حدث فيها.

وكربلاء غاب عنها الكثير من العلم والحكمة والسداد وحسن التأتي..

مرة أخرى في كربلاء كرّ علينا البلاء.

وللأكابر من فقهاء أهل السنة والجماعة، في كربلاء أقوال، فلا تتجاوزوها إلى الهبر والنبر..لسنا من القوم الذين قال سيدنا علي فيهم "ليتني ما عرفتكم"

اللهم ارض عن سيدنا الحسين، وعن أمه وأبيه.

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية