مطلوب عقل وطني

زهير سالم*

نداء نداء نداء

بيان صادر من لجنة مساندة الانتفاضة الشعبية في مصر

إلى أمانة الأمم المتحدة

إلى الاتحاد الأوروبي

إلى محكمة العدل الدولية

إلى منظمة حقوق الإنسان الدولية

نداء استغاثة

نحن جماهير ميدلن التحرير في القاهرة

نستغيث بكل من يرانا أو يسمعنا أن ينقذنا من الجريمة التي نتعرض لها من جموع الشرطة السرية المصرية بملابس مدنية.

إنهم يرمون الأبرياء العزل بالقنابل الحارقة و قنابل الغاز المحرمة و يقتلون المدنيين بالسلاح الأبيض .

أين العالم ؟

أين العدالة الدولية؟

أين الشرفاء و محاموا الإنسانية؟

أغيثونا أغيثونا

من نظام حسني مبارك و زمرته الحاكمة

لقد طالبنا بحقوقنا بطريقة سلمية و لكن نظام حسني مبارك يأبى إلا أن يقتل الأبرياء و العزل فأين أنتم منه ؟

إنها جريمة تحدث أمام أعينكم و التاريخ و الشعوب الحية لن ترحمكم إذا لم تتحركوا ضد هذا النظام السفاح و المجرم .

فنحن لن نغادر إلا بعد أن يترك هذا الرئيس كرسيه و لن نغادر إلا على جثثنا.

إن الجيش المصري يقف متفرجا ً على مشاهد قتلانا و لا يمنع المجرمين عنا . نحن نطالب العالم كله بالتحرك لمساعدتنا.

فلتحيا دماء الشهداء و تحيى مصر حرة ابية

لجنة مساندة الانتفاضة الشعبية في مصر

القاهرة 02/02/2011

                

يملك خياراته

زهير سالم*

[email protected]

يلحظ المتابعون منذ فترة طويلة فقرا معرفيا يضرب الساحة السورية. لقد نجح الاستبداد خلال نصف قرن أن يفقر البلد وأن يحطم الكثير من البُنى الثقافية والسياسية. حتى عندما تستعين الفضائيات ببعض الدارسين وأساتذة الجامعات السوريين نشعر بأسف أننا أمام نماذج إعلامية ساذجة تسوّغ بطريقة غير علمية سياسات الحزب والنظام. لا زالت ترن في آذان السوريين القهقهة المستنكرة والمسترسلة لأستاذ جامعي ومدير مكتب دراسات عندما قيل له إن الرئيس بشار صافح بيريز الإسرائيلي يوم جنازة البابا يوحنا السادس..!!

السياق سياق تشخيص وليس سياق غمط أو ادعاء. المجتمع السوري لا يمتللك لأسباب عديدة، تلك الصفوة من النخبة العلمية والفكرية والسياسية على اختلاف التوجهات التي يمتلكها المجتمع المصري كما وكيفا على سبيل المثال.

ويبقى المشهد الوطني السوري في ظلال التطورات المتلاحقة في المنطقة، بحاجة ملحة إلى عقل وطني قادر على صياغة خطابه الوطني بالطريقة التي تختصر الهم الوطني العام.، الطريقة التي تجمع ولا تفرق، والتي تطمئن وتبشر ولا تخوّف ولا تنفر. جديلة المجتمع السوري بخصوصيتها بل بهمومها وخصوصياتها تحتاج إلى خطاب أكثر حساسية لمخاوف وتطلعات الجميع. ربما من الحقائق المقلوبة في المجتمع السوري أن الأكثرية التي تعرضت في العقود السابقة لحجم أكبر من الضغط ومن الظلم ومن القهر ستكون بحاجة أكبر إلى رسائل التطمين التي ينتظرها منها الآخرون.

في عصر الاتصالات المفتوح لن تخلو الساحة من أصوات نشاز من يمين ويسار، تحاول التشويش على المشروع الوطني العام. وهذا الواقع يجعل الحاجة إلى العقل الوطني أكبر. العقل الذي يرتقي بنا إلى أفق المشروع الوطني، والوحدة الوطنية لاختيار أقرب السبل وأيسرها لإحداث الانفراج الوطني المطلوب، مع قدرة على مواكبة الأحداث وضبط البرامج المطلبية المجتمعية على إيقاع تطوراتها، في كل الأحوال.

نعتقد أن من واجب القوى السياسية على اختلاف توجهاتها أن تتوافق تلقائيا على استبعاد جميع الشعارات والطروح البرامجية. والتأكيد على الإصلاح الوطني في أفق الحقوق العامة من العدل والحرية والمساواة والكرامة الوطنية. ومن المهم في المشروع الوطني الابتعاد عن شخصنة الموقف على الصعيد الفردي أو على الصعيد الجماعي. من شرط العقل الوطني أن يكون عقلا مستقبليا. يستفيد من دروس الماضي دون أن تثقله أغلاله، أو آثامه.

والمطلوب من العقل الوطني على مستوى ثانٍ أن يثبت جدارته لكسب احترام العالم من حوله. ولا يمكن للعقل الوطني أن يكسب الاحترام إذا اعتبر نفسه نقيضا مستنسخا من عقل النظام الحاكم في طروحاته الإقصائية أو النابذة أو المدعية أو الخاوية. ولا يمكن للعقل الوطني أن يكسب احترام المخاطبين إذا ظهر متزلفا متملقا منزلقا في استرضاء الآخرين محاولا تقديم أوراق اعتماده في خدمتهم كمنافس للنظام..

العالم الذي ظل على مدى عقود قانعا بخدمات ابن علي أو حسني مبارك كما صرح الرئيس أوباما يضطره الواقع اليوم إلى الاعتراف بأن شعوب هذه المنطقة تحتاج إلى من يمثلها بطريقة أفضل، ويعبر عنها بكلمات أصدق..

ومن هنا فإن كل من يظن في نفسه القدرة على تزييف الحقيقة الوطنية في ثوب الزور، وإعلان الاستعداد للاندماج في مشروعات الأنظمة الآفلة؛ يحكم على نفسه سلفا بالاندحار القريب..

الوقت المضيق لا يتسع لغير واجبه. والحاجة إلى العقل الوطني المشترك أصبحت أكثر إلحاحا. ورسالة الإصلاح أو التغيير العام ليست كلاما يلقى على عواهنه في الهواء. بل من الضروري أن تصبح هذه الرسالة ثقافة يلتزم بها الجميع على المستويين الخاص والعام. كان عمر رضي الله عنه إذا رسم رسما أو أصدر تعليما يقول لأهل بيته لقد أمرت بكذا أو نهيت عن كذا ولو علمت أن أحدا منكم خالف لضاعفت له العقوبة..

العقل الوطني ثقافة تنتج أخلاقا والأخلاق الوطنية تثمر موقفا. أو ((إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ.)) .

(2)

أعود إلى مزيد من البيان حول العقل الوطني، الذي يُنتظر منه أن يكون أكثر وقارا وتماسكا وقدرة على تقدير المواقف، وريادة الآفاق، وإجراء الموازنات. ليس عجيبا أن يستخف أبناء الأمة الطرب وهم يتابعون المشهد التونسي أو المشهد المصري؛ ولكن ذلك لا يجوز أن ينسيهم في كل قطر خصوصياتهم ومواقع أقدامهم. ومستقبل شعوبهم وبلدانهم.

إن قرض خيوط الشرانق، وهي من حرير، شرط ضروري لبسط الأجنحة في فضاءات الربيع. إن لغة العقل الوطني الجامع هي اللغة التي تمد الجسور، وتعظم الجوامع، وتختصر الفروقات. ولا يمكن للغة هذا العقل أن تكون صادة أو نابذة أو متعالية. وأول الخطأ على المائدة الوطنية أن يظن البعض أن من حقه أن يأمر فيطاع. أو أن رأيه هو كل الصواب وأن رأي غيره هو كل الخطأ.

العقل الوطني هو العقل المؤسَّس على الاعتراف بالشراكة الوطنية. وأن السهم الوطني لكل أبناء الوطن، رجالهم ونساؤهم، واحد. ولا يستقيم في العقل الوطني استعلاء أو استئثار أو إقصاء ..

وفي لغة العقل الوطني يتوقف الناس عن المغامرات، ويمتنعون عن التقاذف بالاتهامات، ويتوقفون عن تجاهل المشكلات، وعن نسبة الكبائر الوطنية إلى الشيطان، أو إلى الاستعمار. أو إلى قوى الظلام.

العقل الوطني يسأل الله دائما العافية ولكنه لا ينام على دمل، ولا على داء دوي ظاهر أو خفي. وساحة الوطن في العقل الوطني ليست ساحة نزال، وإنما هي ساحة تعاون وتنافس على البناء. ويغتفر للمظلوم والمكبوت والمقهور ما يغتفر للشاعر إذا جهر ببعض السوء من القول.

والعقل الوطني لا يعرف غرور القوة وإنما يخضع دائما لفقه اللحظة ولمقتضياتها، وهو يخرج عن ذاته إلى الفضاء الجمعي، بسعادته وشقائه بألمه وفرحه.

 والعقل الوطني يجيد الإرسال والاستقبال. يطمئن عندما يتابع من يحاول أن يتدارك، ويقلق عندما يسمع حديث التجاهل واللامبالاة..

كم سمعنا من قبل من يقول: العراق ليست أفغانستان، ولكن سقوط العراق كان بطريقة مدوية أكثر من سقوط أفغانستان!! وكم قال حسني مبارك إن مصر ليست تونس، ولكن هاهي مصر في وضع أصعب من وضع تونس، بعد أكثر من مائة شهيد!! وللشهيد الواحد في العقل الوطني قيمته ومكانته وحساباته على عكس ما هو عليه الأمر في العقل السلطوي الذي يرى أن دم الإنسان أو ألمه أهون عنده من ذباب مر أمام وجهه فقال له بيده هكذا..

يبسط العقل الوطني على الورشة الوطنية المشكلات بموضوعية وصدق. ويطلب من أبناء الوطن جميعا المشاركة في البحث عن حلول وفي حمل العبء. ولا ينسى أن وضع اليد على الحل الصحيح ليس إلا الخطوة الأقرب والأيسر على الطريق الطويل...

في وطن يأكل التصحر أرضه الزراعية، وتسوّر العشوائيات مدنه الكبرى، ولديه مليونان من العمالة اليدوية تهاجر في رحلة الشتاء والصيف إلى دول الجوار، وفي وطن تضرب البطالة 20% من شبابه، وتفصل هوة ضخمة بين مخرجاته الجامعية التعليمية وبين سوق العمل فيه ، وتتآكل فيه الطبقة الوسطى، وينخر سوس الفساد منظومته الأخلاقية وبنيته الاقتصادية، وفي وطن فيه ثلاث مائة ألف مواطن محرمون من حقهم في الجنسية، وما يقرب من عشرين ألف مواطن فُقدوا في يوم ما في سجون النظام، ويعيش في المهاجر أكثر من مائة ألف من أبنائه مهجرين قسريين وليسوا مهاجرين، وفي وطن لا يزال ينتظر منذ عشر سنوات وعدا من رئيسه بقانون للأحزاب، وبمشروع للإصلاح، في وطن ما تزال أرضه محتلة منذ أربعين عاما، وما يزال جواسيس الموساد يرتعون فيه، وطيران العدو يخترق أجواءه ؛ في وطن مثل هذا لا يمكن للعقل الوطني أن يتحدث بالصدق الوطني ثم يقول لا مشكلة لدينا ولا خوف علينا، ولا قلق يساورنا...

كلام مثل هذا يقودنا إلى المصير الذي يحاول العقل الوطني أن يتحاشاه وأن يتلافاه.. فهل حقا غاب عن ساحتنا العقل، وتعطلت لغة الكلام، هل كُتب علينا حقا أن ندخل جميعا وعلى التوالي من جحر الضب الذي دخله ابن علي ويسير إليه حسني مبارك. العقل الوطني السليم قادر على الاستشراف وقادر على الاستشعار. وأول طريق الصدق رغبة في الخير،. والانطلاق من الواقع، والبناء عليه، وإدراك مقتضيات طريق الإصلاح كل ذلك من بدهيات العقل الوطني ومسلماته..

                

* مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية