الخروج من الفتنة

حبيب عيسى

الخروج من الفتنة

حبيب عيسى

مداخلة.. أمام المؤتمر القومي الإسلامي دورة عام 2000

بسم الله الرحمن الرحيم

" الله أعلم حيث يجعل رسالته "

الأنعام (124) صدق الله العظيم

أيها الأخوة أعضاء المؤتمر القومي الإسلامي :

(1)

أعترف أمامكم أنني ترددت طويلاً بين المقدرة على الصمت و الشجاعة على الكلام.

ذلك أنه حتى الصمت في هذا الزمن يحتاج إلى مقدرة خاصة، لأن المطلوب الآن ليس مجرد السكوت عن هذا المنكر الذي يتم تفعيله في مختلف مناحي حياتنا، وإنما المطلوب أن نشارك فيه على عكس القاعدة الشرعية التي تفرض مقاومته.المطلوب أن ننخرط في أوحاله بالفعل أو باللسان أو بالقلب وهذا أضعف الواجبات " الشرق الأوسطية" التي يلزمنا بها النظام الإقليمي السائد بين المحيط و الخليج، بعد أن تم نشر أوبئة الفتن من كل نوع وفي سائر المجالات و الأنحاء بين المحيط والخليج.

 أما الشجاعة على الكلام، أو باللغة الفقهية، أعظم الجهاد عن طريق الجهر بالحق في وجه جور السلاطين الذين يحكمون عالم اليوم و يعيثون فيه فساداً و إفساداً وتلويثاً و تخريباً ونهباً، فإنني حقيقة لا أعرف إن كنت أملك بعضاً من تلك الشجاعة، ذلك أن الكلام الذي يستحق أن يقال و أن يسمع بعد تلك السنوات من الأحلام و الخيبات، لا بد أن يكون مختلفاً، محدداً، حاداً كحد السيف، ذلك أن الخلط في المفاهيم و الغزارة في القصف الإعلامي الذي يستهدف عقولنا قد أوجد هذه الحالة النادرة في التاريخ، وهي أن يفرض على الأمة كلها أن تفكر بعقل عدوها وتسعى لتحقيق أهدافه وتعتبر الوصول لما يريده هذا العدو انتصاراً يستحق المسيرات و المهرجانات و ضجيج أناشيد النصر.

 ويل لأمة تفكر بعقل عدوها.

 ويل لأمة تسعى لتحقيق أهداف أعدائها.

 ويل لأمة لا تحترم دماء شهدائها.

(2)

 ونحن لا نلقي الكلام جزافاً، و إنما نعايش أدق تفاصيل الواقع و حقائق الأمور، ومن هذه الحقائق أنه في أواخر القرن التاسع عشر وضع قراصنة أوروبا برنامجاً للقرن العشرين للسيطرة على العالم و نهب ثرواته، وكان ما يخص الوطن العربي من هذا البرنامج تحقيق ثلاثة عناصر أساسية يجب تحقيقها بالتوازي :

أولا ً وضع خرائط تفصيلية لتقسيم الوطن العربي و إنشاء دول عدوانية فعلية على أرضه تغتصب الأرض و الشعب معاً.

 ثانياُ:استيراد مرتزقة غرباء عن الأرض العربية يتم زرعهم في القلب العربي فلسطين.

 ثالثاً : تحقيق مشاركة وتفاعل وتعاون بين مختلف الكيانات بما في ذلك كيان المرتزقة المستوردين لإحكام شبكة العدوان على الأمة العربية و التبشير بكيان شرق أوسطي فيه كل ما يحلو لهم من قبليات و عنصريات و مذاهب و تغيب عنه الأمة.

هل يجادل أحد في صحة أو حقيقة هذه الأهداف المعادية للأمة …. ؟ خاصة و أن الوثائق التي لا يتسع المقام لها أضحت في متناول الجميع، وهي وثائق تقشعر لها الأبدان …..

 (3)

الآن، وبدون الغوص في التفاصيل، ما هي نتائج كل الأحداث في القرن العشرين …؟

وماذا تحقق من الأهداف الثلاثة المعلنة للعدو …؟

أولاً لقد احتاجوا إلى النصف الأول من القرن العشرين لتحقيق الهدفين الأول والثاني، فقام النظام الإقليمي لدول تجاوز عددها العشرين دولة تعتدي على البلاد والعباد وتقيم أنظمة الفساد وتضخ ثروات الأمة للأعداء، وتقيم السجون في كل مكان وتغتال وتفتك بالأمة و الأبناء حتى بات المواطن العربي لا يعرف الفرق بين حدود السجون الرسمية وحدود الدول الإقليمية التي فرض عليه أن يحمل جنسيتها. وتشكلت جامعة للتنسيق بين أعمال تلك الدول ثم دخلت جيوشها إلى فلسطين لتحاصر جيش الإنقاذ العربي والفدائيين العرب الذي هبوا لنصرة عرب فلسطين فتجرد عرب فلسطين و عرب غير فلسطين من السلاح ثم تنسحب لتعلن قيام دولة " إسرائيل ".

ثانياً : ثم احتاجوا إلى النصف الثاني من القرن العشرين لتقف تلك الدول بجامعتها و جيوشها ومخبريها و سجونها حائلاً بين الأمة وبين تحرير فلسطين، ثم تُشْهِر في النهاية شراكتها مع دولة المرتزقة، و تبشر بكيان شرق أوسطي تتقاسم فيه الثروات و المياه و الهواء.

ثالثاً :يعلن الجميع الانضواء تحت مظلة الهيمنة الأمريكية التي ورثت النفوذ الأوروبي في العالم.

 هذا ما جرى و كل ما عداه تفاصيل.

(4)

 المهم أن الأهداف التي تحققت هي أهداف أعداء الأمة، و لهم كل الحق أن يحتفلوا بما حققوا.

- لكن أن يفرض على الأمة أن تحتفل بذلك فهذا أكثر من أن يحتمل.

- لكن أن يصل الخلط في المفاهيم إلى حد حشو العقول العربية بأن ما تحقق هو أهداف الأمة وأن عليها أن ترقص طرباً لذلك و أن تشيد الأصنام والتماثيل للذين حققوا هذا الانتصار العظيم للأعداء، فهذا يصل إلى حد الفظاعة والفظاعة، هل علينا أن نكون ضد أنفسنا …..؟

هل رأيتم أيها الأخوة كم أنا حزين ومقهور، صدقوني أن الحزن ليس مما يفعله الأعداء بنا، و لكن لما نفعله نحن بأنفسنا، فنحن جميعاً فرداً فرداً مسؤولون عما نحن فيه " ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "

- هل رأيتم أيها الأخوة كم الحديث صعب بالنسبة لأمثالي …..؟

- هل رأيتم كم الصمت قاتل …؟

- هل اقتنعتم أن القلم ليس دائماً خير وسيلة للتعبير …؟

وأن القلم إذا لم يرتبط مع وسائل الفعل الأخرى و يتفاعل معها و تتحقق جملة الشروط المطلوبة للفعل الإيجابي المقاوم من أول من يطلق الرصاص إلى آخر من يربي الأطفال ويزرع الأرض و يقتحم مجالات العلوم … يتحول مداداً للثرثرة بل ربما ينقلب إلى أداة للاستكانة ….؟

(5)

 إذاًَ دعونا نعترف بدايةً أن الخطأ الجوهري الذي وقعت به قوى التحرر في الوطن العربي أنها لم تقدر خطر النظام الإقليمي التقسيمي للوطن العربي حق قدره، لقد انشغلت بالخطر المتمثل بالكيان الصهيوني و استكانت للنظام الإقليمي، بل وتصالحت معه أحياناً ودخلت في دهاليز أجهزته أحياناً أخرى، أو انشغلت بالتنافس معه والصراع على السلطة، وهذا كله كان جهداً ضائعاً استهلك الكثير من الشهداء والضحايا.

(6)

الآن وبعد كل هذا الذي جرى لابد من الإقرار أن النظام الإقليمي في الوطن العربي بكل مكوناته هو الأخطر على الأمة ووجودها وحضارتها، وهو الذي أقام دولة الصهاينة في فلسطين، وهو الذي حماها من الجماهير العربية لمدة نصف قرن، وهو الذي يتشارك معها الآن جهاراً نهاراً في العدوان على الأمة العربية شعباً و أرضاً وثروات، وهو الذي يلغي وجود الأمة ويفتعل الفتن بين أبنائها ويؤسس مع الكيان الصهيوني مؤسسات الشرق أوسطية الأخطبوطية متعددة الأطراف، فلنخرج جميعاً من مستنقع التفاصيل عن العلاقة بين هذه الأطراف المعادية للأمة وعن الحصص المتخصصة لكل طرف منها، فنحن باسم الأمة لسنا طرفاً في كل هذا الذي جرى و يجري و سيجري من معاهدات ومواثيق بين بعضهم البعض.. و الأمة يجب أن تكف عن تقديم الشهداء لتزيد حصة فلان من غنائم الحرب على الأمة، على حساب حصة علان، فهم جميعاً سواسية في عدوانهم على الأمة، إنهم جميعاً ينتظمون في نظام القرصنة متعددة الجنسيات، يؤدون الوظائف المطلوبة منهم و الخطأ التاريخي الذي ارتكبته حركة التحرر في القرن العشرين ودفعت الأمة ثمنه شهداء و ثروات و إمكانيات تقدم وتطور و تحرر، هو الوهم بأنه يمكن الركون إلى النظام الإقليمي أو لبعض منه في معركة مقاومة الصهيونية.

 الآن لابد من إعادة ترتيب الأولويات كما هي فعلاً، لابد من التمسك بالثوابت كما هي حقيقتها، لابد من فرز منهج الأمة وفكر الأمة و عوامل أصالتها وحضارتها وتحصين العقل العربي بمواجهة عمليات الاختراق و التشويه والفتن.

(7)

 وبمناسبة الحديث عن الفتنة فإن المهم الانتباه والتنبيه والتحذير بأن الحلف بين دول الشرق أوسطية يدرك تماماً كم أن هذه الأمة أصيلة وكم أن مكوناتها الحضارية قوية وعصية على الموت رغم المظاهر الاحتفالية التي تعم صفوف الأعداء، وبالتالي فإنهم يدركون تماماً أنهم لن يمروا إلا بتعميم الفتن بين أبناء الأمة، وبالتالي فإن ما يسمونه " سلام عادل وشامل " و " سلام الشجعان " هو المعادل الحقيقي للفتنة في المجتمع العربي، ذلك أن الشعب العربي الذي سيجد نفسه وجهاً لوجه مع الصهاينة سيبدع الأساليب للمقاومة و بالتالي سيهدد مشروع تحالف الدول الشرق أوسطية وسيهدد وظائفها في الوطن العربي.. وحتى يحصل ذلك، يجب (صهيونياً و أمريكياً و أنظمة إقليمية ) أن تفتح أشكالاً من الصراعات والفتن الطائفية والمذهبية و العنصرية و أن تنبش فتاوى القتل و التقتيل بين العرب وبعضهم البعض فتطغى على ضرورات قتال الأعداء ومقاتلتهم والجهاد ضدهم، بينما يقوم تحالف الدول الشرق أوسطية على تسليح البعض لقتل البعض الآخر، فيقتل العرب بعضهم البعض و يستمر تحالف الدول الشرق أوسطية في تأدية الوظائف المنوطة به.

(8)

وحتى لا يحصل هذا، وحتى نحقق مقتلاً للقوى المعادية لابد من إفشال ذلك، وهذا لن يكون إلا بالتمسك بالثوابت وسد الذرائع لكل أشكال الفتن، وتحديد المهام و الأهداف، وفصل عناصر الصراع الاجتماعي الطبيعي والإيجابي الذي يحصل داخل الوجود القومي للأمة وبين الصراع مع القوى المعادية التي تستهدف وجود الأمة و حضارتها وثرواتها.فالصراع الأول يدار بالحوار والديمقراطية والجدل الاجتماعي، والصراع الثاني يدار بالمقاومة والقتال والجهاد ضد القوى المعادية.

لهذا وبكل وضوح وتحديد يجب ألا نسمح بأي حال من الأحوال لأدوات الصراع الاجتماعي أن تستخدم في الصراع مع العدو. وفي الوقت ذاته لا نسمح لأدوات وأسلحة الصراع مع العدو أن تستخدم في الصراع الاجتماعي داخل مجتمعنا العربي.

 (9)

 إنني أدعو إلى عهد و عقد نتعاهد عليهما جميعاً لتحديد هذه المفاهيم والالتزام بها، ففي هذا تحصين للأمة وللمجتمع، وتمهيد للطريق القويم إلى معركة شاملة مع قوى الهيمنة والاحتلال التي تفرض ظلالها المقيتة على أمتنا العربية بين المحيط والخليج ومواجهة لقوى العدوان التي تفرض نظام القرصنة الذي يسمونه زوراً وبهتاناً نظاماً دولياً وشرعيةً دوليةً. إنني أقول لكم وبكل وضوح واستناداً إلى ما أعرف ـــ وهو تخصصي – عن مشروعية القوانين و الأنظمة، إن ما يسمونه شرعية الأمم المتحدة، و ما يسمونه قانوناً دولياًلا أساس له في الحق و في الشرائع، و إن مستنده الوحيد هو القوة الغاشمة التي يفرضها قراصنة القوة ومصاصي دماء الشعوب على العالم، و إن النظام الإقليمي في الوطن العربي ليس إلا نتاجاً لنظام القرصنة هذا، وإن الدول القائمة على أرض الأمة العربية من أول دولة الصهاينة إلى آخر دولهم قامت على معاهدات بين دول القرصنة الدولية و لاأساس لها في الواقع العربي، فالدولة المشروعة الوحيدة في الوطن العربي هي الدولة القومية التي تتطابق حدودها مع حدود أرض الأمة ويتطابق شعبها مع حدود شعب الأمة.

 وبالتالي فإن الوطن الوحيد الذي ننتمي إليه هو الوطن العربي و إن الأمة الوحيدة التي ننتمي إليها هي الأمة العربية، وإن دويلات التجزئة من أكبرها إلى أصغرها، من جمهورياتها إلى ممالكها وسلطناتها هي دول غير مشروعة، لا تمتلك عناصر الدولة المشروعة وهي الوطن والشعب و السلطة التي تمثل الوطن والشعب، فليست أية قطعة من الأرض وطناً،وليست أية مجموعة من الناس شعباً. إن لهذا مقاماً آخر لا يحتمله هذا الحديث، لكننا نشير إليه هنا مجرد إشارة لنسن قاعدة قانونية تفيد " إن الثورة على الأوضاع القائمة في الوطن العربي ومقاومة القوى المعادية بكل أشكالها وصورها وتوضعاتها ودولها ومنظوماتها القانونية وأجهزتها القمعية ليست عملاً مشروعاً و حسب، و إنما هي واجب شرعي أيضاً. "

 ( 10 )

 هكذا نعتقد أننا أشد ما نكون حاجة لنخط خطا في العقل و لنحفر خطا في الواقع العربي لا للتعبير عن نهاية مرحلة وبداية أخرى و حسب، و لكن لإجراء تقييم موضوعي لتجربة بالغة الثراء بالشهداء و الضحايا، بالانتصارات و الهزائم، إن هذا يحتاج منا إلى شجاعة على النفس و على الغير و على المفاهيم، ومن ثم إعداد العدة لاستنفار طاقات الأمة،ومخزوناتها الحضارية و زجها في معركة فاصلة مكشوفة على وشك أن تبدأ، و أن يوقف على الفور أي هدر للطاقات في غير أماكنها الصحيحة، يكفي ما حصل حتى الآن …!!.

 إن ما قدمته الأمة من ضحايا و شهداء يكفي لتحرير أرض الأمة عشرات المرات لو أن الضحايا و الشهداء كانوا في سياق نهج واضح للتحرير.

 لقد استغرق البعض جهدهم في البحث عن النهج و المنهج الصحيح.

- وقدم البعض حياتهم و دماءهم شهداء في الفعل الميداني المباشر.

واتهم الفريق الأول الفريق الثاني بأن الدماء التي تبذل لن تؤدي إلى الهدف إلا إذا كانت في سياق منهج صحيح.

و أجاب الفريق الثاني بأننا سئمنا تنظيراً و نظريات … وذهبوا إلى الشهادة.

الآن و بعد التجربة نجد في كلا الموقعين جزءاً من الحقيقة، فلا الاستغراق في التنظير يحرر الأمة، ولا نبل الشهادة و طهارة الدماء تحصن الفعل و تؤدي إلى تحقيق الأهداف، و المشهد أمامنا بالغ الثراء ( إنهم يخوضون بدماء الشهداء حتى الركب لمصافحة القتلة أنفسهم ).

(11)

السؤال المطروح بقوة علينا جميعاً : كيف نحصن الشهداء فلا تذهب دماؤهم هدراً ؟ كيف نحترم دماء الشهداء و نحصنها دون أن يستخدمها الأعداء بأقلام توقيع صفقات العدوان على الأمة …..؟

وهذا لن يكون إلا بالكف عن المماحكات العقيمة بين ضرورة الغوص في الواقع و بين ضرورة الغوص في التنظير، و دمج عناصر التحرر و التغيير في معادلة واحدة للفعل الإيجابي على المسار الصحيح قيغتني الفكر و يتصلب في أتون المعارك و تطمئن أرواح الشهداء بأنهم بذلوا أرواحهم على الطريق الصحيح إلى الأهداف التي افتدوها بأرواحهم.

إن تحقيق الشروط الضرورية لبناء هذا المعادل الإيجابي للعمل الثوري التحرري يتوقف على مقدرة العرب على الخروج من نهج الفتنة و أن نضع حداً لعصر الفتنة في رؤوسنا فنقر : إن معارك داحس و الغبراء قد انتهت قومياً، وإن معارك الجمل و صفين قد مضى عليها الزمن إسلامياً، و إن هذا الجيل العربي ليس مسؤولاً عن هذه و لا تلك، و من غير المقبول ولا المعقول قومياً و إسلامياً أن يفرض على جيلنا و الأجيال العربية القادمة أن تبقى حبيسة تلك الفتن بينما الوطن و العقيدة كليهما في أشد درجات الخطر والحصار العدوان.

(12)

 في حدود المراجعة الصحيحة و التدقيق الصائب نقول أنه لم يوجد في التاريخ تيار قومي وتيار إسلامي، بل لابد من التأكيد على أنه و عبر التاريخ العربي المعروف و منذ الرسالة التي تلقاها جدنا العربي محمد بن عبد الله e أضحت عقيدة التوحيد القومي العربي هي عقيدة الإسلام، و بهذه العقيدة التي توهجت في صدور الجنود العرب تمّ استئصال القبلية من العقل العربي، و تشكلت " أسر الثورة " حيث تتكون كل أسرة من ثلاثة أو خمسة أفراد من قبائل عربية مختلفة يتعاهدون فيما بينهم على الأخوة الكاملة في كل شيء و المشاركة في كل شيء إلا ما حرمه الله... وكان ذلك على حد علمنا أول تنظيم حزبي عقائدي في التاريخ البشري كله، ثم اندفعت تلك الأسر المؤمنة منضبطة تحت قيادتها المركزية فهزمت القبلية محلياً وواجهت في وقت واحد وفي معركة واحدة متعددة الساحات موحدة الأهداف كل أشكال العدوان الخارجي على الأمة فأبعدت المعتدين عن أرض الأمة شرقاً و غرباً وشمالاً وجنوباً. وتم التفاعل الإيجابي بين الشعوب والقبائل التي كانت تقطن هذه الأرض العربية الطهور بين المحيط والخليج، واكتمل الوجود القومي للأمة.

 (13)

 هل يستطيع عاقل أن يميز بين عنصري العروبة والإسلام في تحقيق هذا الانتصار وهذا التكوين القومي :

- هل كان هذا النصر بفعل العروبة …؟

- هل كان هذا النصر بفعل الإسلام …؟

- أبهذا النصر انتصرت العروبة على الإسلام …؟

- أم بهذا النصر انتصر الإسلام على العروبة …؟

لقد كان نصراً بالعروبة و العقيدة معاً، وكان انتصاراً للعروبة والعقيدة معاً، هذا الانتصار الذي فتح أبواب العالم لتغيير النظام العالمي الفاسد الذي كان سائداً في تلك الأيام ولم يتوقف التقدم إطلاقاً لأن وهناً أصاب سواعد الرجال أو وهناً أصاب عقيدتهم.. و لكنها الفتنة التي ضربت المركز فامتدت آثارها إلى الأطراف، فعاد عرب المركز يقتتلون قبائل و أسر مذاهب وامتد ذلك إلى المسلمين غير العرب فخفت التوهج هنا وهناك وعاد طواغيت النظام العالمي الفاسد يتحكمون في العالم إلى يومنا هذا.

وما هي مرتكزات و عناصر النهضة والتحرر …؟‍

هل هي مرتكزات التوحيد العقائدي والتوحد القومي، أم هي مرتكزات الفتن القبلية والمذهبية.

ذلك أنه لا يمكن لنكون بشراً أسوياء كما أردانا الله سبحانه وتعالىأن نحمل النقيضين معاً.

فإما أن نحمل الفتنة في رؤوسنا و نمضي معها إلى حيث تتجه الآن من قبلية تتمثل بالنظام الإقليمي الذي يحتل أرضنا ويتحالف مع الصهاينة لتحقيق وظائف لنظام القرصنة الدولي تماماً كما كانت تفعل القبائل الجاهلية التي كانت تعمل لحساب الفرس الروم،وإما أن نحمل الأمة والعقيدة معاً في رؤوسنا فنمضي بهما إلى حيث التحرر والانعتاق والتوحد القومي، ومن ثم تغيير هذا النظام الدولي الفاسد إنه الخيار و الاختيار في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ أمتنا.

 (14)

إن الفتنة بين القوميين والإسلاميين لم تنحصر على الإطلاق بينهما فتفصلهما إلى تيارين، و إنما كانت تؤدي من حيث تفاعلاتها السلبية إلى فتنة داخل الإسلاميين أنفسهم و إلى فتنة داخل القوميين أنفسهم فنقع بذلك في مستنقع ثلاثة أنواع من الفتن :

أولاً فتنة بين القوميين و الإسلاميين.

 ثانياُ : فتنة بين الإسلاميين و الإسلاميين.

 ثالثاً : فتنة بين القوميين و القوميين.

لهذا نجاح مؤتمركم في ردم الفتنة بين القوميين و الإسلاميين يؤدي في الوقت ذاته إلى ردم الفتنة بين القوميين و القوميين وإلى ردم الفتنة بين الإسلاميين والإسلاميين أيضاً، ويفتح الطريق واسعاً إلى وهج من التحرر و التحرير لن يقتصر أثره على الأمة العربية و إنما سيشمل الإنسانية بأسرها.

 (15)

 المهم أن تنفق على أننا تيار واحد على امتداد الساحة القومية للأمة العربية و أن ليس بيننا وبين بعضنا البعض منتصر ومهزوم، فإما إن ننتصر معاً وإما أن نهزم معاً.. لم ينتصر العرب يوماً عل حساب هزيمة الإسلام، ولم ينتصر الإسلام يوماً على حساب هزيمة العرب.

فعوامل الهزيمة عندما كانت تحل كانت تشمل العروبة و الإسلام معاً، و عندما كانت تتوفر عوامل النصر كان يشملهما معاً، و لهذا قلت أنني لا أجد مكاناً لواو العطف بين العروبة و الإسلام، إنهما كيان عضوي واحد.

 (16)

لايجادل أحد في هذه الدنيا في أن الرسالة التي حملها خاتم النبيين جدنا العربي محمد بن عبد الله موجهة إلى الإنسانية كافة، إلى الإنسان أينما وجد على أرض هذا الكوكب، و إلى أجمل مستقبل من الزمان لا يعلمه إلا الله.

 لكن هذا لا يعني أنها رسالة هائمة فوق الوقائع و الحقائق التاريخية والاجتماعية و الجغرافية و الإثنية، و إنما استجابة إلهية لحاجات ملحة، وفي سياق رسائل إلهية تعاقب نزولها إلى البشرية حملها الأنبياء الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، وكانت هذه الرسالة هي الرسالة الإلهية الأخيرة للبشرية " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "، بهذا المعنى فإن تلك الرسالة العظيمة قد حملت فيما حملت هذا القرار الإلهي الذي لا راد له بأن التدخل الإلهي المباشر في حياة البشر تقويماً و تصويباً عن طريق الأنبياء والرسل قد انتهى و أن على الإنسانية وقوى الحق و العدل أن تتحمل من الآن فصاعداً مسؤولية إبداع الأساليب و توفير الإمكانيات لمواجهة قوى الظلم و الطاغوت، فالمهمة أصبحت منوطة بها استناداً إلى قواعد رسختها الرسالات الإلهية للبشرية.

 (17)

 ليس صدفة ( و حاشا لله أن ينسب إليه ذلك أحد ) أن الجماعة البشرية التي خاطبتها الرسالة الختامية مباشرة، و التي جاءت الرسالة بلسانها وبقصص مغروسة في تاريخها هي تلك الجماعات التي تسكن هذه الأرض العربية المقدسة والتي كانت مهبط الوحي للرسالات الإلهية السابقة عليها و الممهدة لها.

وإذا كانت هذه الأرض الطهور محط أنظار الإنسانية لتتلقى منها الإشعاع الحضاري و الرسالات الإلهية في الوقت ذاته، فإنها كانت عبر العصور و حتى هذه اللحظة من التاريخ الإنساني هدفاً للقرصنة و الغزاة و الطواغيت في كل مكان من هذا العالم.

فما من قوة على هذه الأرض، وما من طاغية أراد أن يمد طغيانه على العالم أرادت أو أراد أن يكون لهما شأن في السيطرة على هذا العالم إلا و أدركوا أن ذلك يتوقف أولاً و أخيراً على الاحتفاظ بموقع قدم على هذه الأرض العربية، و هكذا فإن صراع القبائل و العشائر و الشعوب على الأرض العربية اختلط بالصراع على هذه الأرض و أضحت الصراعات المحلية في الوطن العربي تدخل في سياق الصراع الدولي على العالم.

 (18)

في هذا السياق، فإن حاجة البشرية إلى الرسالات الإلهية تم إشباعها ببعثات الأنبياء والرسل، يحملون الرسالات المتعاقبة التي لم تقتصرْ في جوهرها على الدعوة لعبادة الله الواحد الأحد، و إنما تدعو إلى ذلك في سياق دعوة البشرية للانعتاق من العبودية للظالمين، و أصنامهم، و مقاومتهم، و تخليص البشرية من شرورهم وصولاً إلى إحقاق الحقوق وترسيخ العدالة و المساواة بين البشر.

 إذا كانت الإرادة الإلهية التي لا راد قد اختارت هذه الأرض الطهور مهبطاً لرسالتها الموجهة للبشرية، فإن ذلك تزامن وتواكب وتفاعل مع القوى الموجودة على الأرض فانحازت لها قوى التحرر و الإنعتاق و العدالة و الحق و قبضت عليها كالقابض على الجمر، و قاومتها ووقفت في طريقها قوى الطاغوت والظلم فحاربتها بكل ما تملك، ولهؤلاء المؤمنين بها امتداد على ساحة الإنسانية كلها ولأولئك المتضررين منها امتداد على مدى ساحة الإنسانية كلها أيضاً.

 (19)

 هكذا و على الأرض الطهور بالذات تفاعل ما هو حاجة بشرية بما هو مطلب إلهي.

وهكذا أيضاً أصبح مصير البشرية يتوقف على أن تتمكن سفينة نوح من الإبحار من هنا أو يعم الطوفان فتتمكن قوى الطاغوت والظلم من محاصرة هذا الميناء العربي المقدس الذي استقبل الرسالات الإلهية حيث انطلقت بها ومنها سفن النجاة للبشرية، في مواجهة أساطيل الدمار التي يطورها القراصنة لإخضاع العالم للطاغوت أو تدميره تماماً.

هكذا على هذه الأرض الطهور تفاعلت شرائع حمورابي مع شرائع الفرعنة، وملاحم جلجامش مع حضارة بلقيس، وحروب الهكسوس مع حروب نبوخذ نصر، وقوارب البردي مع قوارب الفينيق، وتغريبة بني هلال مع تشريقة الزير سالم، وتمرد زنوبيا مع تمرد النعمان، ومعارك ذي قار مع حروب أبرهة و مقاومة الفرس والتصدي لظلم البيزنط. ثم إعلان حلف الفضول الذي تزامن إعلانه مع استعداد هذه الأرض الطهور لتلقي الرسالة الإلهية الختامية للبشرية.

 ( 20)

 لقد تفاعل ما كان يجري علىالأرض بما كان يهبط من السماء وتم التفاعل والفرز هنا على أرض العرب ثم على صعيد العالم فتحالفت قوى الظلم والطاغوت هنا مع قوى الظلم والطاغوت في العالم وكانت في موضع التبعية لها، وحملت قوى الحق رسالات العدالة والحرية إلى العالم فالتقت بقوى التحرر والعدالة على الصعيد الإنساني كله.

 هكذا حمل جدنا ابراهيم الخليل فأسه وحطم أصنام قومه، ولننتبه فقبل ابراهيم الخليل عليه السلام كانت القبائل تحطم آلهة بعضها البعض دفاعاً عن آلهتها هي. أما الآن فنحن أمام حالة توعية، فجدنا ابراهيم الخليل لم يحطم أصنام الأقوام الأخرى و إنما حطم أصنام قومه وتحدى مماحكاتهم وطرح جدوى الصنمية والتصنيم، و عندما بعث موسى عليه السلام تحدى ظلم الفراعنة، ومهد لرسالة جدنا المسيح عليه السلام الذي حمل صليبه رافضاً ظلم وطاغوت القوى الغاشمة وعبودية الإنسان للمال ( إن دخول جمل من سنام إبرة أسهل من دخول الأغنياء الجنة )، و إذا كان الطواغيت قد تمكنوا من السيد المسيح فإن قلة من حوارييه انطلقوا إلى العالم لا يملكون إلا تعاليم أستاذهم التي اخترقوا بها مركز الطاغوت العالمي في ذلك الوقت و أعطوا العالم نصف دينه بسنوات قليلة. وبعد ذلك بعث جدكم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة الختامية للبشرية فحملها رسل مشبعون بالعقيدة إلى مراكز لطاغوت مرة أخرى في العالم و أعطوا العالم نصف دينه الآخر، ورفعوا الظلم عن الأمة، فتفاعلت الجماعات البشرية على أرضها بعد أن ارتفع عنها الظلم الخارجي و اكتملت الأمة تكويناً و توحيداً ووضعت بصمتها لبناء نظام دولي عادل ومتوازن.

 (21)

 إننا لا نقول هذا لنعطي أنفسنا امتيازاً على البشرية لا نسعى إليه بل نرفضه، لكننا نقوله في مواجهة دونية تفرض علينا هذه الأيام، فأما أن نقبل بأن نكون دون هذا العالم الذي يسمونه " عالم أول " و إما أن يدمروا كل شيء إنها المعادلة التي يفرضها اليوم هذا النظام العالمي الفاسد الظالم، و التي نرفضها، فنحن لسنا مناجم بترول وغاز، نحن أمة الحضارة و الرسالات.

صحيح أننا نرفض استغلال الآخرين لكننا نرفض أن نبقى موضعاً للاستغلال ليس دفاعاً عن الأمة فقط، و إنما دفاعاً عن إنسانية الإنسان المهدورة في طاحونة الطاغوت الذي يحاصرنا بأساطيله وقواعد عدوانه.

استناداً إلى هذا كله و انطلاقاً منه دعونا نتفق على مواقف ثابتة من قضايا مصيرية تهم الأمة والوطن والعقيدة.

(22)

 أولاً : الوحدة العربية :

 إن النظام الإقليمي السائد في الوطن العربي لا ينسجم مع المفهوم الشرعي الإسلامي، ويتعارض مع المفهوم القومي الحضاري لأنه وفق المصطلح الشرعي الإسلامي قبلية جاهلية واستناداً للمفهوم القومي العقائدي عدوان إقليمي على وجود الأمة.

كما أن الهدف الإنساني بالمصطلح القومي هو أن تكون للأمة رسالة إنسانية للمساواة والعدل وبناء نظام عالمي متوازن، وهذا ما تعجز عنه الأمة في حالة التجزئة، بل أنها هي ذاتها معرضة لعدوان غاشم من نظام دولي فاسد يشملها ويشمل شعوب الأرض قاطبة، ووفق المصطلح الاسلامي فإن الرسالة توجب مقاومة الطواغيت الذين يستغلون شعوبهم ويستبدون بالعالم ونشر رسالة الاسلام لا يعني نشر الدين الاسلامي وحسب، وإنما يعني رفع الظلم عن البشرية وتحقيق العدالة والمساواة بين البشر.

والأمة العربية التي هي مركز الدعوة الإسلامية لن تتمكن من حمل الرسالة وهي معتدى عليها بالتجزئة والفرقة والعدوان الخارجي، بل وأنها وهي في حالتها هذه ليست عاجزة عن مد يد العون للأخوة في الدين على صعيد العالم وحسب وإنما عاجزة عن الدفاع عن العقيدة في نقطة المركز أيضاً. وبالتالي فإن الوحدة العربية ضرورة إسلامية كما هي ضرورة قومية، وهي قضية يجب أن تتوحد الصفوف حولها، وليست مسألة خلافية.

 ( 23 )

 ثانياً : فلسطين :

إن فلسطين عربية ليس من البحر إلى النهر فهذه هي هي الحدود البريطانية لفلسطين أما الحدود القومية لفلسطين فهي بين المحيط والخليج.

1 -فلسطين في المنهج القومي هي جزء من أرض الأمة وطناً وجزء من أمة العرب شعباً، وهي ملك للأجيال العربية المتعاقبة وبالتالي فإن هذا الجيل من العرب بكامله لا يملك أن يتنازل عن شبر واحد من الأرض القومية للأمة.

وهذا يعني أن كل العقود والمعاهدات بين حكومات ومنظمات فلسطينية وغير فلسطينية، باطلة لأنها تجري بين أطراف لا صفة لها قانوناً في التعاقد حول قضية لا يملكون من أمرها شيئاً. إن الممثل الشرعي والوحيد للقضية الفلسطينية هو الشعب العربي بأجياله المتعاقبة، وبالتالي فإن الحقوق المخولة لهذا الجيل من الشعب العربي محصورة بالحفاظ على الأرض القومية وحمايتها من العدوان، وبالتالي لا يملك أحد من هذا الجيل العربي أن يتنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين كائناً من كان.

فإذا كانت هذه هي حدود الحقوق المخولة للشعب العربي برمته، فإن الحقوق الممنوحة لبعض الدول الإقليمية أولها جميعاً والحقوق الممنوحة لمنظمة التحرير الفلسطينية أو للمنظمات الفلسطينية برمتها دون ذلك بكثير، إنها تتصرف بما لا تملك إطلاقاً.

2 -أما فلسطين في الشرع الإسلامي فهي أرض حررها العرب من السيطرة الومانية وهي كما شرع الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه شيخ المشرعين لدولة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنها أرض ملك للأمة لا تملك لأشخاص أياً كانوا، وإنما هي ملك لأجيال الأمة المتعاقبين إنها موضع للإنتفاع بها وليست موضعاً للملكية الشخصية، وبالتالي فإن هذا الجيل من المسلمين برمته لا يملك أن يتنازل عن فلسطين وإنما تنحصر حقوقه بالدفاع عنها وحمايتها والانتفاع الإيجابي بها.

مرة أخرى نجد أن الموقف المنهجي القومي والمنهج الشرعي الإسلامي متطابقان تماماً مع قضية فلسطين، وبالتالي فإن تحرير فلسطين ضرورة من ناحية الشرع والفقه الإسلامي، وهي قضية قومية ومركزية وبالتالي يجب أن تتوحد الصفوف حولها وليست مسألة خلافية.

( 24 )

ثالثاً : الأراضي العربية المحتلة بعدوان 67 :

إننا وفي هذا المجال لن نحاسب الدول الإقليمية التي احتلت بعض أراضيها بعدوان 67 وفق المنهج القومي أو الشرع الإسلامي، وإنما نطلب منها فقط أن تلتزم حدود النهج الإقليمي الذي ارتضته هي، ذلك أن تلك الدول قد قامت وارتضت الحدود التي قامت عليها بموجب المعاهدات الاستعمارية لسايكس بيكو وغيرها من المعاهدات، وبالتالي فهي ملزمة بالأنظمة والقوانين التي تأسست عليها.

لذلك فإن الدول الإقليمية لا تملك شبراً واحداً من الأرض خارج حدودها الإقليمية، ولا تملك أن تفاوض عليه أو تقايض عليه أو تتنازل عنه، أو يكون موضوع صفقة بينها وبين الصهاينة.

وبالتالي ووفق المنهج الإقليمي ذاته فإن الدول الإقليمية تملك أن تستعيد أرضها بكل الطرق والوسائل المتاحة شريطة أن لا تعتدي على أرض الغير وحقوق الغير.

إن حدود الدول الإقليمية المحتلة أراضيها وفق المنهج الإقليمي في التفاوض تقف عند حدودها الإقليمية مع فلسطين ولا تتعداها، والدول الإقليمية في الوطن العربي كانت تدعي منذ 15 / 5 / 1948 وحتى 19 / 11 / 1977 أنها تعتبر أرض فلسطين للفلسطينيين.

الآن نحن لا نطالب الدول الإقليمية المحتلة أراضيها أن تحرر فلسطين، ولا أن تعتبر أرض فلسطين للفلسطينيين، نطالبها فقط أن لا تقر أن أرض فلسطين أو بعضها للصهاينة، لأنها بذلك تتجاوز حدودها الإقليمية، وتشترك في العدوان على أرض فلسطين بحجة استرجاع أراضيها الإقليمية.

( 25 )

رابعاً : الأراضي المحتلة على التخوم والثغور العربية :

إن الموقف من هذه الأراضي وفق المنهج القومي والنهج الشرعي الإسلامي يتطابق تماماً وينطبق عليها تماماً ما قلناه عن فلسطين.

( 26 )

خامساً : العراق :

إن العدوان على العراق، واشتراك دول النظام الإقليمي في الوطن العربي في إحكام الحصار على العراق، وتسخير الأرض العربية من قبل بعض الدول الإقليمية كقواعد للعدوان على العراق... إن ذلك كله عدوان على الأمة العربية جمعاء، وإٍن المؤتمر القومي الإسلامي مطالب بأكثر من كلمات الشجب والتنديد، والقواعد الأمريكية والبريطانية في الوطن العربي هي بكل المقاييس، واستناداً إلى الوظائف والمهام عبارة عن " دول اسرائيلية أخرى " في الوطن العربي، أو أشد خطراً وفتكاً.

( 27 )

أيها الأخوة أعضاء المؤتمر القومي الإسلامي :

إن أمتنا على وشك أن تدخل مرحلة جديدة من مراحل صراعها الطويل مع قوى العدوان والهيمنة الدولية وامتداداتها وقواعدها ودولها على أرض العرب، وإن الصراع لم ينته كما يتوهم أطراف اتفاقيات النظام الشرق أوسطي والراعي الأمريكي، إنه على وشك أن يبدأ كما يجب بعد أن انكشف المستور.. إنها معركة طويلة ومتعددة ومتشعبة ومفتوحة، وفي معركة كهذه فإن الأمة ستعرف كيف تعزز قواها الحية وتستجمع عناصرها الإيجابية وطوبى لمن يتقدم الصفوف.

وإذا كانت رياح الفتنة، وأفكارها، ومذاهبها وطوائفها، وعصبياتها ودويلاتها، وكهنتها، قد عصفت بالأمة والوطن واغتالت الحلم الإنساني بعالم عادل متوازن، وإذا كانت قوى الطاغوت والشر قد عادت مرة أخرى تحاصر هذه الأرض الطهور بأساطيل الغدر والعدوان والتهديد من كل حدب وصوب، وإذا كانت قوى الطاغوت المحلي تتعاون مع قوى الطاغوت الدولي فتزرع هذه الأرض الطهور خرائط وحدوداً شائهة وقواعد للمعتدين حيث يطبق على صدورنا هذا الليل العربي الحالك السواد فما أحوج هذه الأمة الآن لتستعيد إرادتها، وإذا كان هناك من افتعل مشكلة بين العروبة والإسلام، بين الوطن والإسلام، فإننا نقول إن هذا الوطن العربي هو وطن العروبة والإسلام معاً.. والحديث ذو شجون نأمل أن يكون لها نهاية، ففي لجة هذا الليل العربي الحالك السواد بوادر بريق ينطلق من السماء يتفاعل مع صرخة تتفجر فيها هذه الأرض الطهور ويتردد صداها في كل مكان من هذا العالم، أن أفعلوها أيها العرب..... افعلوها مرة أخرى....‍‍‍!!

والسلام على من اتبع الهدى

 دمشق : الخميس / 14 / شوال 1420 هـ

20 / كانون الثاني / 2000م.